وهذا يعني أن هشام بن الحكم عرف ربه بدلالة الخلق على الخالق .. عرف نفسه وأحوالها من طريق الاضطرار، وبالنظر في هذه المعارف الاضطرارية توصل إلى معرفة ربه المخالف لما خلق وصور. وهو باعتباره شيعيا إماميا لا يمكن أن يُهمِل المعرفة من جهة الإمام، ومناظرته لعمرو بن عبيد المعتزلي صاحب واصل بن عطاء مشهورة .. قال هشام: «قُلْتُ: أَلَكَ عَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا تَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: أَرَى بِهَا الأَلْوَانَ وَالأَشْخَاصَ. قُلْتُ: فَلَكَ أَنْفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَشَمُّ بِهِ الرَّائِحَةَ. قُلْتُ: أَلَكَ فَمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِه؟ِ قَالَ: أَذُوقُ بِهِ الطَّعْمَ. قُلْتُ: فَلَكَ أُذُنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا تَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: أَسْمَعُ بِهَا الصَّوْتَ. قُلْتُ: أَلَكَ قَلْبٌ؟ قَالَ نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أُمَيِّزُ بِهِ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْجَوَارِحِ وَالْحَوَاسِّ. قُلْتُ: أوَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ غِنًى عَنِ الْقَلْب؟ِ فَقَالَ: لا. قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَةٌ سَلِيمَة؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الْجَوَارِحَ إِذَا شَكَّتْ فِي شَيْءٍ شَمَّتْهُ أَوْ رَأَتْهُ أَوْ ذَاقَتْهُ أَوْ سَمِعَتْهُ رَدَّتْهُ إِلَى الْقَلْبِ؛ فَيَسْتَيْقِنُ الْيَقِينَ ويُبْطِلُ الشَّكَّ. قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّمَا أَقَامَ اللَّهُ الْقَلْبَ لِشَكِّ الْجَوَارِحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: لا بُدَّ مِنَ الْقَلْبِ وَإِلا لَمْ تَسْتَيْقِنِ الْجَوَارِحُ؟ قَالَ: نَعَمْ.