الصفحة 76 من 149

وهذه المقالة الأخيرة التي تجعل القرآن في حقيقته على ضربين تقترب في ظاهر الأمر من المقالة التي اعتنقها فيما بعد الكلابية والأشعرية والماتريدية من الفصل بين اللفظ المسموع المخلوق، والمعنى النفسي الذي لم يزل ولا يزال صفة لله ــ تعالى. وقد كان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (تـ256هـ) يفصل بين التلاوة والمتلو، أو بين المِدَاد والأوراق ورسم الحروف من جهة والمكتوب المسطور من جهة أخرى في النظر إلى القرآن الكريم؛ فالأول من فعل الإنسان المخلوق لله ــ تعالى ــ بجميع صفاته وأفعاله، والثاني كلام الله ــ تعالى [1] . وإن مقالة البخاري المشار إليها ــ في فهمي ــ غير مقالة الكلابية والأشعرية والماتريدية في الفصل بين اللفظ المحدث والمعنى النفسي القائم بالذات الإلهية؛ لأن هذه النظرة الأخيرة تفصل بين اللفظ والمعنى في حقيقة كلام الله ــ تعالى ــ أولا، ثم في حقيقة تلقي الإنسان الذي تلقى اللفظ وأحاط به حفظا في الصدور ورسما في السطور، وعجز عن الإحاطة بالمعنى الذي يتجلى منه ما شاء الله ــ تعالى ــ لعباده جيلا بعد جيل؛ فلا يَخْلُقُ على مر العصور؛ لكن الإمام البخاري في قوله بالفصل بين التلاوة والمتلو لم يجعل حقيقة الكلام المضاف إلى الله ــ تعالى ــ صوتا محدثا معبرا عن المعنى الذي هو صفة الله ــ تعالى ــ فيما لم يزل ولا يزال. فالقول بأن التلاوة فقط محدثة، كلامٌ عن الإنسان المخلوق بجميع صفاته وأفعاله. والقول بأن المَتْلُوَّ قديمٌ بلا فَصْلٍ فيه بين جانب محدث وآخر قديم، كلام عن صفة الله ــ تعالى ــ القديم بجميع صفاته وأفعاله.

(1) - انظر البخاري: خلق أفعال العباد ـ ص 42، 44. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت