الصفحة 77 من 149

وقد اتفق المتكلمون مع البخاري على منع القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، وقد نبه على ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري نفسه في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» حيث يقول: «والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال ــ تعالى ــ: { فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ } التوبة/6. وكلام الله ــ تعالى ــ لا يُقال: يُلفَظُ به. وإنما يقال: يُقرأ، ويُتلَى، ويُكتب، ويُحفَظ. وإنما قال قوم: لفظنا بالقرآن. ليُثبتوا أنه مخلوق، ويزينوا بدعتهم وقولهم بخلقه، ويُدَلِّسُوا كفرهم على من لم يقف على معناهم. فلما وقفنا على معناهم؛ أنكرنا قولهم. وكذا لا يجوز أن يُقال: إنَّ شيئا من القرآن مخلوق؛ لأنَّ القرآن بكماله غير مخلوق» [1] .

ولقد ذكر الأشعري عن هشام وأصحابه أنهم كانوا «يزعمون أنه محال أن يكون الله لم يزل عالما بنفسه، وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن بها عالما، وأنه يعلمها بعلم ... قال: ولو كان لم يزل عالما لكانت المعلومات لم تزل؛ لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود. قال: ولو كان عالما بما يفعله عباده لم يصحَّ المحنة والاختبار» [2] .

(1) - الأشعري: الإبانة ـ ص 100، 101. وسيأتي تفصيل ذلك كله في مبحث مستقل عن الكلام الإلهي في هذه الدراسة.

(2) - الأشعري: مقالات ـ 1/ 112، 2/ 184. ويقول الشهرستاني في: الملل والنحل ـ 1/ 164: «ومن مذهب هشام أنه قال: لم يزل الباري ـ تعالى ـ عالما بنفسه، ويعلم الأشياء بعد كونها بعلم لا يقال فيه إنه محدث أو قديم؛ لأنه صفة والصفة لا توصف، ولا يقال فيه هو هو أو غيره أو بعضه» .

وقوله: عالما بنفسه. يعني أنه يعلمُ نفسَه، لا أنه يعلم بنفسه وذاته بلا علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت