وإذا سلمنا بثبوت المقالة كما أوردها الأشعري ووَفْقَ بيان البغدادي من تجويز وقوع الأنبياء في الخطأ، والخطأ لا يعد من الكبائر لانتفاء قصد المخالفة فيه؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له عمن يجيز وقوع الأنبياء في الصغائر دون الكبائر: «ليس هو كافرا باتفاق أهل الدين، ولا هذا من مسائل السب المتنازع في استتابة قائله بلا نزاع، كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله، مع مبالغتهم في القول بالعصمة وفى عقوبة الساب ...؛ فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدى أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء؛ بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ...» [1] . وعلى هذا يكون هشام موافقا لجمهور أهل السنة في النبوة، مخالفا لجملتهم بمذهبه في الإمامة التي جعلها من أصول الإيمان؛ فروى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جعفر الصادق ــ عليه السلام ــ فِي قَوْلِ اللَّهِ ــ عَزَّ وجَلَّ ــ من سورة الأنعام: { لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ } يَعْنِي فِي الْمِيثَاقِ { أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } قَالَ: الإقرَارُ بِالأَنْبِيَاءِ والأَوْصِيَاءِ وأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ــ عليه السلام ــ خَاصَّةً. قَالَ: لا يَنْفَعُ إِيمَانُهَا؛ لأَنَّهَا سُلِبَت [2] .
(1) - ابن تيمية: كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة ـ 4/ 319: 321. تحقيق الشيخ عبد الرحمن محمد قاسم النجدي.
(2) - انظر الكليني: أصول الكافي ـ 1/ 428 (كتاب الحجة ـ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ـ حديث رقم 81) . ومن العجيب أن يُنسب هذا الكلام للإمام الصادق، وسياقه في القرآن بيِّنٌ لا لبس فيه .. {.هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } الأنعام/ 158، 159. وإني لا أعرف أحدا أثبت الميثاق الأول الوارد ذكره في سورة الأعراف على الحقيقة، ثم قال إن في الناس من رده، وهو الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها .. { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } الأعراف/ 172.