ثم شرع في تقرير الكلام في إثباتها وبيان وجوبها بالأدلة العقلية في مقام الحجاج والمناظرة، وقد مر بنا من قبل ذكر مناظرته لعمرو بن عبيد، وله مناظرة أخرى مع ضرار بن عمرو في أحد مجالس يحيى بن خالد البرمكي قال هشام لضرار: «أتقول إن الله عدل لا يجور؟ قال: نعم، هو عدل لا يجور ــ تبارك وتعالى. قال: فلو كلف الله المقعد المشي إلى المساجد، والجهاد في سبيل الله، وكلف الأعمى قراءة المصاحف والكتب، أتراه كان عادلا أم جائرا؟ قال ضرار: ما كان الله ليفعل ذلك. قال هشام: قد علمنا أن الله لا يفعل ذلك، ولكن على سبيل الجدل والخصومة، أن لو فعل ذلك أليس كان في فعله جائرا؟ وكلفه تكليفا لا يكون له السبيل إلى إقامته وأدائه. قال: لو فعل ذلك لكان جائرا. قال: فأخبرني عن الله ــ عز وجل ــ: كلف العباد دينا واحدا لا اختلاف فيه لا يقبل منهم إلا أن يأتوا به كما كلفهم؟ قال: بلى. قال: فجعل لهم دليلا على وجود ذلك الدين؟ أو كلفهم ما لا دليل على وجوده؛ فيكون بمنزلة من كلف الأعمى قراءة الكتب، والمقعد المشي إلى المساجد والجهاد؟ قال: فسكت ضرار ساعة ثم قال: لا بُدَّ من دليل، وليس بصاحبك. قال: فضحك هشام وقال: تشيع شطرك وصرت إلى الحق ضرورة، ولا خلاف بيني وبينك إلا في التسمية» .