والوجه الثاني: أن مناكحة الضال الذي جحد الإمامة أو ادعاها لمن لا يستحقها ــ حرام؛ إلا أن يخاف الإنسان على دينه ودمه فيجوز له ما يحرم مع الاختيار من باب الضرورة .. «وأمير المؤمنين ــ عليه السلام ــ كان مضطرا إلى مناكحة الرجل؛ لأنه كان يهدده ويتوعده فلم يأمنه أمير المؤمنين ــ عليه السلام ــ على نفسه وشيعته؛ فأجابه إلى ذلك ضرورة، كما قلنا: إن الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر» [1] .
ومن الملاحظ أن الشيخ المفيد في الوجهين اللذين ذكرهما لم يطلق على المخالف في الإمامة اسم الكفر قبالة اسم الإيمان الذي يخص به طائفته؛ بل صرح في الوجه الأول بأن الضلال في الإمامة لا يخرج عن الإسلام، والتحريم في الوجه الثاني قد يحمل على عدم الكفاءة مع ثبوت الإسلام [2] .
(1) - السابق ـ ص 92. وراجع للشيخ المفيد أيضا: المسائل العكبرية ـ ص 61، 62 (ضمن المجلد الأول من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) ؛ حيث اعتمد الوجه الأول رأيا له، ثم أورد الثاني على أنه قول بعض الشيعة.
(2) - وقد ذهب بعض المقلدين من متعصبة «أهل السنة» في مسألة الاستثناء في الإيمان إلى عدم جواز المناكحة بين الحنفية والشافعية، وجوَّز بعضهم تَزَوُّجَ الحنفي من الشافعية بإنزالها منزلة أهل الكتاب، كما حكاه الشيخ زين بن إبراهيم (تـ970هـ) عن بعض شيوخ المذهب الحنفي في البحر الرائق شرح كنز الفوائد ـ 2/ 49. ثم بيَّن بطلانه، وصرح في موضع آخر ـ 3/ 110 بجواز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة، وكذلك مع المعتزلة وغيرهم من المسلمين .. قال: «فمقتضى الوجه حل مناكحتهم؛ لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة كما قدمنا نقله عن الأئمة في باب الإمامة» .