فهرس الكتاب
ثانيًا: كيف كان بإمكان الصحابة الذين سافروا إلى نقاط المعمورة الأخرى بوصفهم تلاميذ النبيّ وممثّليه، أن يثبتوا لأهالي تلك البقاع أن نبيًا قد بُعِث في منطقتهم المعيّنة وأننا نحن تلاميذه وممثِّلوه قد جئنا كي نهديكم من قِبَله إلى الطريق المستقيم؟ لو طلب أولئك الناس من ممثلي النبيِّ هؤلاء معجزةً وعجزوا عن الإتيان بها - وهو ما سيحصل بالطبع - فما هو التكليف عندئذ؟ أَوَّلًا يجب أن يَثْبُتَ لأولئك الناس أن تلك التعاليم وحيٌ إلهيٌّ كي تتمكن تلك التعاليم من جذب الناس نحوها وقطع طريق الاعتذار والتحجّج على المخالفين وإقامة الحجة عليهم؟ ثالثًا: لو تأملنا الأدلة العقلية التي سيقت لإثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة لرأينا أن التوسّل بممثلي النبيّ وتلاميذه أو تلاميذ الإمام المعصوم يتناقض مع تلك الأدلة، لأن هؤلاء التلاميذ والممثلين ليسوا معصومين ومن الممكن أن يقعوا في الخطأ والسهو (بل حتى الخيانة) في فهم وإدراك تعاليم النبيّ أو ضبطها وحفظها في ذاكرتهم ونقلها إلى الآخرين.
3 -وآخر إشكال يُطْرح في الذهن هو أنه إذا كان ذلك الدليل صحيحًا وكان بعث الأنبياء بمقتضى حكمة الله ضروريًا، فإن الأرض لن تخلو عندئذ في أي عصر من العصور من الأنبياء. لكن هذا خلاف الواقع لأن الأرض كانت خالية في كثير من العصور من الأنبياء المرسلين وذلك مثل الفترة التي طالت ستمئة عام بين رسالة السيد المسيح عليه السلام وبعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، والتي لم يكن فيها أي نبي مرسل من الله في أي نقطة من نقاط المعمورة. وهنا لا يمكننا الحديث عن سوء اختيار الناس ولا عن إعاقة المخالفين وحيلولتهم دون وصول الهداية إلى الناس.