الصفحة 21 من 298

إلى هنا فحصنا مقدمات البرهان المذكور أعلاه ورأينا أننا لا يمكن أن نستنتج من تلك المقدمات ضرورة النبوَّة، بيد أننا في الواقع في غنى عن تحليل تلك المقدمات، إذ إننا نسأل: لو كان بعث الأنبياء لهداية الناس نحو السعادة والكمال ضروريًا حقًا وواجبًا على الله - طبقًا للدليل والبرهان المذكور أعلاه واستنادًا إلى قاعدة اللطف- فلماذا جعل الله هذا اللطف يشمل - في كل عصر - عددًا معدودًا من البشر في حين بقيت الأغلبية الساحقة لأهل الأرض محرومة من هذا اللطف؟ أليس اللطف واجبًا على الله؟ فهل كان اللطف في زمن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم واجبًا على الله تجاه أهالي شبه الجزيرة العربية فقط؟ ألم يكن واجبًا على الله أن يلطف في ذلك الزمن ذاته بأهالي المكسيك أيضًا ويرسل إليهم نبيًّا؟ كما لنا أن نتساءل لماذا عُطِّلَت قاعدة اللطف كليًا مدة ستمئة عام على الأقل (الفترة الزمنية بين حضرة عيسى ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يرسل الله تعالى خلال كل تلك الفترة أيَّ نبيٍّ للناس؟ هل نسيَ الله تعالى - والعياذ بالله- أن يقوم بما يجب عليه؟!

الآن حان الوقت للدخول في بحثنا الأصلي أي موضوع الإمامة لنرى كيف أن هذه الإشكالات عينها تَرِدُ على أدلّة ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ.

يعتقد متكلمو الشيعة أن:

«الإمامةُ رئاسةٌ عامَّةٌ على المجتمع الإسلامي في أمور الدِّين والدنيا» [1] .

بناء عليه:

«ليس الإمامُ دليلًا مرشدًا في أمور الدِّين فقط بل هو أيضًا قائدٌ وزعيمٌ في أمور الدنيا، فلا تختصُّ رئاسته بأمور الدنيا وحدها أو بأمور الآخرة فقط بل تشملهما معًا وتشمل جميع الأمور، دينيةً كانت أم دنيويةً» [2] .

ولكن ما هو شأن الإمام الأصلي؟

(1) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد) ، ص318.

(2) المصدر السابق، ص317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت