فهرس الكتاب
فلو أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في السنوات التي استلم فيها زمام الحكم في المدينة وكان عدد المسلمين يزداد يومًا بعد يوم ويزداد إيمان الناس بحضرته وثقتهم به ومحبتهم له، لو أعلن إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بشكل رسمي وصريح بوصفها أمرًا إلهيًَّا، يا تُرى هل كان المسلمون سيعتبرون هذا أيضًا رأي النبيّ الشخصي وكأنّهم يتهمونه بذلك -والعياذ بالله- بالكذب واستغلال مقام رسالته لغرض شخصي؟ هل يعقل أن يقوم الناس الذين آمنوا بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتحملوا في سبيل نشر الإسلام أنواع العذاب والمصائب والتهجير من أوطانهم وفقدوا نساءَهم وأبناءَهم ووضعوا وجودهم كله على طبق من الإخلاص وقدموه في سبيل نصرة رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بتضييع إيمانهم هكذا بكل بساطة؟ هل إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تضر بدنياهم أو بآخرتهم شيئًا؟ إذا كانت تضر بدنياهم (وهو أمر لا دليل عليه) فكيف يمكن لمثل هذا الضرر المحتمل أن يحول دون قبولهم لأمر الله بإمامة عليٍّ (ع) في حين أنهم أنفسهم، وعلى مدار ثلاثة وعشرين عامًا من رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقدوا جميع دنياهم ولم يبق لهم دنيا أصلًا حتى تعرّضها إمامة عليٍّ (ع) للخطر؟ ليت شعري! هل يُعقل أن يقوم الصحابة الكرام، الذين أمضوا سنين شبابهم في المشقات وأنواع المصاعب والحرمان من نعم الدنيا في سبيل رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونصرة دين الإسلام، بتجاهل حكم الله وخيانة أمره في فترة شيخوختهم وكهولتهم حبًا في المقام والجاه والرئاسة، ويضيِّعُوا بذلك ثواب عمر أمضوه في المجاهدات في سبيل الله ويخسروا آخرتهم؟ قد تقولون إن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانوا في النهاية بشرًا وارتكاب مثل ذلك الخطأ مِنْ قِبِلهم ليس بالأمر المحال عقلًا لذا فإن خوف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان معقولًا ومبررًا.