الصفحة 129 من 171

ويورد المؤلف عددًا آخر من كتب الأدب التي نهجت هذا النهج ـ وإن كانت تتفاوت مع ما كتبه الجاحظ ـ مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، والمستطرف للإبشيهي، ومجالس ثعلب، ويقول:

"وكل هذه الكتب لا يجحد فضلها في مجال الأدب واللغة، ولكن من غير الإنصاف أن تصبح أخبارها مصادر للتاريخ الإسلامي يستمد منها بعض الكتاب ما يؤيدون به وجهة نظرهم".

وتحت عنوان"التزوير العلمي للتاريخ الإسلامي"يعقد المؤلف مبحثًا يؤكد فيه أن تدوين التاريخ إنما هو"تسجيل للوقائع والأحداث دون أن يمتد عقل الكاتب وفكره ومذهبه إلى هذه الأحداث"، وهذا ما يعرف ويسمى بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ، وهو ما التزم به الكتّاب والمؤرخون القدامى.

ولكن في القرن التاسع عشر، ظهر اتجاه تزعمه فرويد يخول للمؤلف والكتاب أن يدخل عقيدته وفكره في التاريخ متعللًا أن من حقه تفسير الأحداث التاريخية، وتعليلها والحكم على أصحابها.

وقد اتبع هذا النهج بعض المفكرين الغربيين، وأكثر المفكرين الشيوعيين، لخدمة مذاهبهم، وبذلك حرّفوا أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي تحت ستار الأسلوب العلمي في تفسير التاريخ.

ويورد المؤلف في صفحة 40 من الكتاب عددًا من الأمثلة لهذا التزوير منها: زعم مونتغمري وات في كتابه"محمد في مكة"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى غار حراء للاصطياف لأنه كان فقيرًا، لا يملك السفر إلى الطائف! ومنها زعم المستشرق نفسه في كتابه"محمد في المدينة"أن المسلمين الأوائل أسلموا لتحسين أوضاعهم المادية!

ويختم البهنساوي هذا الفصل بالدعوة لإيجاد منهج لكتابه للتاريخ الإسلامي، وهذا المنهج يقوم ـ بحسب المؤلف ـ على الاعتقاد بعدالة الصحابة وتوثيق القرآن لهم، ثم باعتماد أصول الجرح والتعديل المطبقة في علم الحديث على التاريخ والسير، فلا تقبل إلاّ رواية الثقة عن مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت