فهرس الكتاب
ويضيف: لقد استفاد خصوم الإسلام من عدم تحقيق هذه الروايات، فنقلوها كما هي، ونسبوها إلى المؤرخين، ليضعوا عليها الثقة، وهي من الأكاذيب، فمثلًا ينقل الطبري عن أبي مخنف ( [1] ) خيرًا عن التحكيم، ثم نقله عنه ابن مسكويه، وابن الأثير، وابن كثير، وابن خلدون ... ويخيل للقارئ أن الخبر قد رواه ستة من الرواة، وورد في ستة مصادر تاريخية، وهو في الحقيقة قد رواه شخص واحد هو أبو مخنف الأزدي، ومصدر واحد هو الطبري ...
أما عدم تمحيص الروايات في كتب المؤرخين، فيعزوه المؤلف إلى سببين:
1 ـ أنه قد نشأ علم الجرح والتعديل الذي كان المقياس لقبول الرواية أو ردّها، فكان معلومًا أن هذه الروايات لن تؤخذ قضايا مسلمة.
2 ـ أن المؤرخين أرادوا ـ من خلال تدوين كل ما هبّ ودبّ ـ ألاّ يحول الموت بينهم وبين جمع الأخبار، وكان عذرهم أنهم يذكرون أسماء رواة الأخبار، ليكونوا محل بحث وتمحيص.
وفي المقابل، برز عدد من المؤرخين طالبوا باتخاذ موقف نقدي إزاء روايات الأقدمين التاريخية، بل ورفضها إذا اقتضى الأمر، وبرز من هذا الفريق الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه"العواصم من القواصم"، والإمام عبد الرحمن بن خلدون في كتابه"العبر وديوان المبتدأ والخبر".
وفي هذا الفصل أيضًا يتناول المؤلف عددًا من كتب الأدب التي أساءت للتاريخ الإسلامي، فهي كانت تهتم بالأسلوب المشوق قبل أي اعتبار آخر، بل وفي سبيل"جمال العرض وحصافة الفكرة وركازة الأسلوب"لم يتوان كثير من الكتاب والأدباء عن اختراع القصص وتلفيق الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك كتاب البخلاء للجاحظ، الذي لمز وعاب كثيرًا من علماء المسلمين بلا تورع، وكتاب"البيان والتبيين"للجاحظ أيضًا، فقد أورد فيه خطبًا كثيرة نسبها إلى أمير المؤمنين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، والمراسلات المتبادلة بينهما، وفيها من البذاءة ما يتنزه عنه صغار الناس فضلًا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.