الصفحة 87 من 103

إذا دقَّقنا في الآية رأينا أن أهل النار يقولون: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ؟} ومقصودهم من هذا الكلام هو ما يعانونه من عذاب في النار حيث أنهم غابوا عن الوعي مرتين وعادوا إلى الوعي مرتين، ويقولون هل هناك سبيل لخروجنا من هذا العذاب في جهنم؟ وذلك لشدة ما يعانونه فيها من عذاب. أما لو اعتبرنا أن كلامهم هو عن حياتهم وموتهم في الدنيا لكان إقرارهم بالموت والحياة في الدنيا في هذا المقام والموقف لا محل له بل لغو لا معنى له، إذ ما هي العلاقة بين التماسهم الخلاص والخروج من العذاب وبين الإقرار بأن الله أحياهم مرة في الدنيا ومرة أخرى في الرجعة؟! فإن قيل: الكفار لا يموتون في جهنم، طبقا لقوله تعالى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} (طه/74) ، قلنا: إن الكفار يتكلمون حسب فهمهم، فهم يتصورون أن حالة الغشي وفقدان الوعي التي يعانون منها في النار هي «موت» وهذا المعنى تؤيده الآية التالية من سورة إبراهيم حيث يقول تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} (إبراهيم/16) . فهذه الآية تبين أن الموت يأتيهم من كل طرف، ولكنهم لا يموتون، لأن الله لا يميتهم حتى لا يرتاحون من العذاب. وكذلك قوله تعالى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} معناها أنهم لا يموتون بشكل دائم ولا يحيون بشكل دائم، بل يعانون من حالة بين الحياة والموت.

أضف إلى ذلك أن الله تعالى يقول في القرآن، حكايةً عن أهل الجنة، إنهم يقولون: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى} (الصافات/58) ، مما يبين أنهم لم يذوقوا إلا موتة واحدة وهي الموت الذي يذوقه جميع بني آدم في هذه الحياة الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت