الصفحة 166 من 295

قال النووي: «هذا محمول على أن الذي استمتع في عهد أبي بكر وعمر لم يبلغه النسخ. وقوله «حين نهانا عنه عمر» يعني حين بلغه النسخ». قال ابن حجر: «فإن كان قوله «فعلنا» يعم جميع الصحابة، فقوله «ثم لم نعد» يعم جميع الصحابة، فيكون إجماعًا! وقد ظهر أن مستنده الأحاديث الصحيحة التي بيناها... وإنما قال جابر «فعلناها» وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة، بل يصدق على فعل نفسه وحده».

فإن قيل: هل يمكن تغيب سنة عن جابر وهو صحابي؟ أقول: نعم. لقد غاب عن علم عمر حكم الاستيذان، ووعاه أبو موسى وأبو سعيد وأبي. وكان حكم تحريم المتعة عند عمر وعلي وغيرهما، وغاب عن ابن عباس. وكان حكم الإجلاء عند ابن عباس، نسيه عمر سنتين فلما ذكر أجلى أهل الذمة. وكان حكم الجدة عند المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، ولم يعلمه أبو بكر وعمر. وكان حكم ميراث الجد عند معقل بن سنان، وغفل عنه عمر. وابن عمر لم يلتفت إلى رواية إجارة كلب الزرع، وكان ذلك عند أبي هريرة محفوظًا. ولذلك قال الشافعي: «ما منا من أحد إلا وتعزب (أي تغيب) عنه سُنّة» .

وقد سبق النقل أن عمر بن الخطاب إنما نهى عنها بسبب تحريم رسول الله (ص) لها. فقال: «والله لا أعلم أحدًا يتمتّع وهو محصنٌ إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلّها بعد إذ حرّمها» . قال الطحاوي: «خطب عمر فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النبي (ص) ، فلم ينكر عليه ذلك منكر. وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه» .

ولا يعرف عن صحابي أظهر خلاف عمر، إلا ابن عباس. ولم يظهر رأيه إلا في عهد متأخر كذلك. وبيان ذلك في كلامنا عن ابن عباس.

عبد الله بن الزبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت