الصفحة 14 من 18

وقد نفت عائشة - رضي الله عنها - هذا الزعم والوهم، مستدلة بهذه الآية، فقالت لمسروق - في الحديث الذي رواه البخاري عنها: (من حدثك أن محمدًا قد كتم شيئًا مما أُنزل عليه فقد كذب، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} ) ... الحديث [8] .

• في الآية أيضًا ردٌّ على الصوفية الذين يزعمون أن للدين ظاهرًا هو الشريعة التي يجب إظهارها، وباطنًا هو الحقيقة التي يجب إخفاؤها، وهو ما يسمونه (علم الأسرار) فهو إن كان علمًا فلا يجوز إخفاؤه، وإذا لم يكن علمًا فلا يجوز اعتماده. وإن العلم لا يهلك حتى تكون سرًا كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

• ولنا أن نقول: يستفاد من الآية أيضًا إبطال قول منافقي العصر، من العلمانيين (ليبراليين ويساريين) بأن الدين تؤخَذ منه العقائد لا التشريعات، وأن العقائد هي أمور روحية بين المخلوق والخالق، لا علاقة لها بواقع الحياة. فالإنسان يشرِّع لنفسه في زعمهم، وأنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، والآية تبطل كل ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمِر بتبليغ الدين كله (عقيدة وشريعة) ليُعمَل به كلِّه دون إغفال أو إهمال أو تبعيض، فتعطيل الشريعة إضاعة للعقيدة، كما قال - سبحانه: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] .

{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}

• لما كانت الرسالة بلاغًا لكل الناس بالحق، وكشفًا لكلِّ باطل مما عليه أنواع الكفرة، كَثُر أعداء الرسول وأعداء الرسالة من المستفيدين ببقاء الناس على الضلالة. ولهذا طمأن الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأمَّنه من أن يناله مكروه من أعدائه الكُثُر يتوقف بسببه اكتمال البلاغ {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ؛ أي: لا تتوقف عن البلاغ مخافة أحد منهم مهما كانت كثرتهم وقوتهم. (الجواهر الحسان للثعالبي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت