لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أجواء جاهلية عالمية شبيهة بهذه الأوضاع التي يعيشها العالم اليوم، لكنه صلى الله عليه وسلم تحمَّل الأمانة كلها على عاتقه، ثم حمَّلها لأصحابه من بعده بهذا القرآن حتى غيروا به وجه العالم؛ فأصبحت كلمة (لا إله إلا الله) هي العليا، وكلمة الوثنيين والنصارى واليهود والملحدين والمنافقين هي السفلى؛ ذلك أن آية من كتاب الله - تعالى - كانت محرِّكًا جبارًا لهمم الموحدين من الناس نحو إخراج الناس (بالإسلام) من الظلمات إلى النور، وهي قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ}
سنتجول (مع المفسرين) مع ما تعطيه هذه الآية الجامعة من معانٍ إجمالية، ثم نتوقف معهم من خلالها بعض الوقفات التفصيلية.
جاءت هذه الآية من سورة المائدة في سياق حديث القرآن عن تحريم موالاة اليهود والنصارى الصادِّين الناس عن سبيل الله بما معهم من باطل وخرافات يدَّعونها دينًا وقُربى، وبيَّنت الآيات أن من خالف في ذلك وسارع إلى موالاتهم من دون المؤمنين، فإنه يدلل بذلك على مرض قلبه بالنفاق، الذي قد يؤول إلى الردة الصريحة. وقد ساق النظم الكريم في ذلك السياق فظائع وفضائح الانحراف الاعتقادي لدى الطائفتين الضالتين من أهل الكتاب، بدءًا من قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] وحتى قوله - سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 68] .