الأمر الثاني: أنك قد عرفت أن الشيخ المفيد إنما لقبه بهذا اللقب علي بن عيسى الرماني، والقاضي عبد الجبار، ولكن ابن شهرآشوب قال في معالم العلماء: ولقبه بالشيخ المفيد، صاحب الزمان ـ صلوات الله عليه ـ وقد ذكرت سبب ذلك في مناقب آل أبي طالب. (انتهى) .
وما ذكره ـ قُدِّسَ سِرُّه ـ لا نعرف له أساسا، ولم نجد له ذكرا في المناقب، ولعله ـ قُدِّسَ سِرُّه ـ نظر في ذلك إلى ما ورد في التوقيع المتقدم من توصيف الشيخ بالمفيد؛ ولكنك قد عرفت أن التوقيع لم يثبت، وعلى تقدير ثبوته فقد صدر التوقيع في أواخر حياة الشيخ المفيد ـ قُدِّسَ سِرُّه ـ وإنما لقب الشيخ بالمفيد في عنفوان شبابه» [1] .
وأنا أعجب ممن قبل ثبوت هذه الرسائل من القوم، كيف لم يسأل نفسه عن سبب سكوت تلاميذ المفيد ومن جاء بعدهم عنها، إلى أن جاء الطبرسي فأعلن ما لم يكن ليخفى خبَرُه بعد مُضِيِّ أكثر من قرن على وفاة المفيد، ورواه مرسلا بزعم أن كل ما أورده في هذا الكتاب بلا إسناد مجمعٌ عليه، أو موافق لما دلت عليه العقول، أو هو مشهور في السير وكتب الموافقين والمخالفين [2] .
وليس هناك ما يَدُلُّ على وجودِ خبر هذه الرسائل قبل الطبرسي؛ بَلْهَ أن يوجد ما يَدُلُّ على إجماع أو شهرة. وأما موافقة ما تَدُلُّ عليه العقول؛ فليس في عقولنا ما يَدُلُّ على وجود الإمام الغائب أصلا؛ بَلْهَ أن يدُلَّ على صدور رسائل من جهته!!
ولا أحسب أن بيان مكانة الشيخ المفيد في تاريخ طائفته، ولا أن تقدير أثره في تطوير الفكر الكلامي الاثنا عشري، مما يتوقف على ثبوت هذه الرسائل في حقه.
(1) - أبو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث ـ 18/ 220.
(2) - راجع أبا منصور الطبرسي: الاحتجاج ـ ص 4.