وإن رؤية أهل السنة للشيخ المفيد في صورتيها اللتين أشرت إليهما من قبل، لا يخفى فيها الاعتراف بعلو مكانة الرجل بين رجال طائفته، وعظم خطره على خصومه بما له من نصيب وافر في فنون الجدل والمناظرة، وبما يتميز به من سعة الاطلاع والحرص على التعليم ونشر المذهب ..
قال معاصره محمدُ بنُ إسحاقَ النديمُ (تـ380هـ) : «في عصرنا انتهت رياسة متكلمي الشيعة إليه. مقدَّمٌ في صناعة الكلام على مذاهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر. شاهدته فوجدته بارعا» . وفي موضع آخر قال: «في زماننا إليه انتهت رياسة أصحابه من الشيعة الإمامية في الفقه والكلام والآثار. ومولده سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة» [1] .
(1) - النديم: الفهرست ـ ص/ 226، 247. وابن إسحاق النديم متهم بالتشيع؛ لقوله عند ذكر علي أو أحد ذريته: عليه السلام. ولمثل هذا اتهم فخر الدين الرازي أيضا بالتشيع، كما ذكره محمد صالح الزركان: فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية ـ ص 27، 28. وهذا الاتهام عندي بعيد؛ فليس بالشيعي كلُّ من ذكر آل البيت فقال: عليهم السلام. وهذا الفعل جرى عليه عدد من أكابر علماء أهل السنة، ودليله أشبه بالمتواتر .. قال ابن شيخ شيوخنا السيد عبد الله بن الصديق الغماري في كلام له عن خصوصيات سيدنا علي ـ عليه السلام ـ: «وخصوصية أخرى لعلي ـ رضي الله عنه ـ وهي أنه يقال له: عليه السلام. لأن هذه الكلمة تقال لأهل البيت ولا تقال لغيرهم، وإن كان أفضل منهم كأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما. ولعلي ـ عليه السلام ـ خصوصية ثالثة، وهي أنه إذا صلى شخص على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وصلى على آله معه؛ دخل علي دخولا أوليا. وننبه هنا على خطأ وقع من جماهير المسلمين قلد فيه بعضهم بعضا، ولم يتفطن له إلا الشيعة..ذلك أن الناس حين يصلون على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يذكرون معه أصحابه، مع أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين سأله الصحابة فقالوا: كيف نصلي عليك؟ أجابهم بقوله: «قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد» . وفي رواية: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته» . ولم يأت في شيء من طرق الحديث ذكر أصحابه، مع كثرة الطرق وبلوغها حد التواتر؛ فذكر الصحابة في الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زيادةٌ على ما علمه الشارع، واستدراك عليه، وهو لا يجوز. وأيضا فإن الصلاة حق للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولآله، لا دخل للصحابة فيها؛ لكن يُتَرَضَّى عنهم. وروى مالك حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم» . قال ابن عبد البر في التمهيد: استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير حديث مالك «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» . وفي هذا الحديث «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته» . قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن ذريته: صلى الله عليك، إذا واجهه، وصلى الله عليه، إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم» .. عبد الله الغماري: القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع ـ ص 9، 10. ولقد راجعت ما نقله عن تمهيد ابن عبد البر يوسف بن عبد الله (تـ463هـ) ؛ فوجدته كما نقله في الجزء السابع عشر ـ ص 302، 303. تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي بالاشتراك. ط وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب 1387هـ.
وفوق ذلك وجدت الحافظ أبا حاتم التميمي محمد بن حبان (تـ354هـ) في كتابه الثقات ـ 8/ 456، 457 في ترجمته للإمام علي الرضا ـ الثامن من أئمة الاثنا عشرية ـ يبالغ في الثناء عليه، ويصفه بأنه من سادات أهل البيت وعقلائهم، وجلة الهاشميين ونبلائهم، ثم يبين أنه في نفسه أجل من أن يكذب، وما روي عنه من الأباطيل إنما هي من وضع رواتها. ويقول: «ما حلَّت بي شدة في وقت مقامى بطوس، فزرت قبر على بن موسى الرضا ـ صلوات الله على جده وعليه ـ ودعوت الله إزالتها عنى؛ إلا أستجيب لي، وزالت عنى تلك الشدة. وهذا شيء جربته مرارا، فوجدته كذلك. أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته ـ صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين» .