ويقترب من هذه اللهجة الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (تـ748هـ) ؛ فيقول عنه: «كان صاحب فنون وبحوث وكلام واعتزال وأدب، ذكره ابن أبي طي في تاريخ الإمامية فأطنب وأسهب، وقال: كان أوحد في جميع فنون العلم: الأصلين، والفقه، والأخبار، ومعرفة الرجال، والتفسير، والنحو، والشعر. وكان يناظر أهل كل عقيدة، مع العظمة في الدولة البويهية، والرتبة الجسيمة عند الخلفاء. وكان قوي النفس، كثير البر، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، يلبس الخشن من الثياب. وكان مديما للمطالعة والتعليم، ومن أحفظ الناس. قيل: إنه ما ترك للمخالفين كتابا إلا وحفظه، وبهذا قدر على حل شبه القوم. وكان من أحرص الناس على التعليم يدور على المكاتب وحوانيت الحاكة؛ فيتلمح الصبي الفطن؛ فيستأجره من أبويه. يعني فيُضِلّه. قال: وبذلك كثر تلامذته. وقيل: ربما زاره عضد الدولة ويقولُ له: اشْفَعْ تُشَفَّعْ. وكانَ رَبْعَةً نَحيفًا أسمرَ، عاش ستا وسبعين سنة، وله أكثر من مائتي مصنف ...
مات سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وشيَّعَه ثمانون ألفا. وقيل: بلغت تواليفه مائتين. لم أقف على شيء منها ولله الحمد» [1] .
وقال في العبر: «كانت جنازته مشهودة، وشيعه ثمانون ألفا من الرافضة والشيعة والخوارج، وأراح الله منه، وكان موته في رمضان ـ رحمه الله» [2] .
(1) - الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ 17/ 344، 245.
(2) - الحافظ الذهبي: العبر في خبر من غبر ـ 3/ 116، 117. وإني لا أدري أهذا الترحم من كلام الذهبي، أم هو مما جرى به قلم الناسخ وفق العادة عقب ذكر الموت؟!