الصفحة 24 من 145

وعليه فإسناد الروايتين ساقط عن رتبة الاحتجاج. وقد كان الأحرى ـ في ظني ـ بدعاة استقلالية الكلام الاثنا عشري عن كلام المعتزلة أن ينبذوا رواية ابن إدريس الحلي، التي تجعل المفيد يبدأ طريق العلم تلميذا في رحابهم، وهؤلاء الدعاة يذكرون أن الشيخ المفيد هو المؤسس الحقيقي للفكر الكلامي الاثنا عشري في طوره الجديد بعد الغيبة، وأنه مفتق مسائله، وأن كل من جاء بعده من متكلمي الطائفة استفاد منه.

والقصة الثانية تُظهر الشيخ المفيد في ثوب المجهول عند القاضي، برغم أنه قد يكون من أقرانه ليجوز أن يناديه القاضي في طول القصة قائلا: أيها الأخ. أو فهو أصغر منه بما لا يبلغ عقدين من الزمان. ومنزلة المفيد بين الاثنا عشرية ومتكلمي بغداد وذوي السلطان فيها لا تقل عن منزلة القاضي في عصر البويهيين، ولئن كانت للقاضي وجاهة عند الوزير الصاحب؛ فمكانَةُ المفيد عند عضد الدولة وسلطانها المتصرف في شئون بغداد ليست بالخافية ما لم يكن له أثر يعارض شئون السياسة العليا، وقد قال العلامة هبة الدين الشهرستاني: «اتصل الشيخ المفيد بالدولة البويهية في عاصمتها بغداد في مبدأ أمرها اتصالا وثيق العرى، فقدروا مكانته حق قدرها، وأجروا الرواتب له ولتلاميذه، وخصصوا له جامع «براثا» في منطقة الكرخ لوعظه وإقامة الصلاة جمعة وجماعة، وله معهم نوادر وقضايا منشورة ومشهورة» [1] , وسيأتي أنهم يعدون عضد الدولة البويهي من تلاميذ المفيد .. أقول هذا دفعا لاستشهاد القوم بهاتين الروايتين على أن ابن المعلم لقبه الرماني والقاضي عبد الجبار معا بلقب «المفيد» .

(1) - هبة الدين الشهرستاني: تقديمه لتصحيح الاعتقاد ـ ص 22 من المجلد الخامس من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت