على أننا لو سلمنا جدلا ثبوت الروايتين معا؛ فابتداء التلقيب ظاهر في حكاية الرماني. أما حكاية القاضي؛ فأفهمُ من سياقها أن القاضي كان على علم بمرتبة الشيخ واسمه ولقبه؛ لكنه لم يكن يعرف شخصه، فلما ذكر الشيخ اسمه عنده؛ قال القاضي: «أنت المفيد حقا» . وإن كانت هذه القصة الثانية ثابتة وهذا بعيد لما سيأتي؛ فلا يكون وقوعها إلا بين عامي 364 و367هـ؛ حتى يكون للقاضي عبد الجبار مجلس ببغداد قبل أن يستدعيه الصاحب إلى الري؛ ليكون قاضي القضاة بها، ويواظب على التدريس بها إلى وفاته عام 415هـ [1] ، ولأن عضد الدولة جاء إلى بغداد لنصرة معز الدولة في أول عام 364؛ فأعجبته فعمل على تملكها، واستمال الجند إلى أن ظفر بها، وقتل معز الدولة في أول عام 367هـ؛ فخُطِبَ له على المنابر مع الخليفة الذي فوَّضَه في كلِّ ما وراءَ بابه، واستتبَّ له ملكُ بغداد إلى أن توفي بها في شوال 372هـ [2] .
وأنا أكثر ميلا إلى قبول رواية ابن إدريس الحلي؛ من حيث النقد الداخلي لمتنها؛ فهي تجعل المفيد بادئا بأبي عبد الله الجُعل المتكلم المعتزلي البصري، ثم تنقله إلى أبي الحسن الرماني المعتزلي البغدادي، وهذا مستقيم مع ما سنعرفه من آراء المفيد، ودقة معرفته بما بين فريقي المعتزلة من ألوان الخلاف في جليل الكلام ولطيفه. لكن القول بثبوت هذه الحكاية قد يضعف حكاية أبي سعيد السبزاوي المتأخرة؛ فمن المستبعد أن يغيب عن القاضي معرفة ابن المعلم شخصا أو منزلة، مع أن المفيد بدأ القراءة وتلقي العلم على شيخ القاضي، وربما درس معه في حلقة واحدة ..
(1) - راجع: طبقات المعتزلة ـ ص 112. وراجع الدكتور عبد الكريم عثمان: مقدمة تحقيق شرح الأصول الخمسة ـ ص 14.
(2) - راجع الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ 16/ 250. والسيوطي: تاريخ الخلفاء ـ 1/ 406، 407. وأبا الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي الدمشقي: شذرات الذهب ـ 2/ 58، 78، 79.