الصفحة 26 من 145

ففي حكاية ابن إدريس الحلي أن الشيخ المفيد عندما جاء مع أبيه إلى بغداد، بدأ قراءة العلم على أبي عبد الله المعروف بالجُعْلِ، وأبو عبد الله الجُعل هو الحسين بن علي البصري (تـ369هـ) ، الذي ذكر ابن شهرآشوب أن له كتابا في جواز رد الشمس، وذكر أنه المتكلم البصري [1] .

وإنني لا أشك في أنَّ شيخَ المفيدِ هذا، هو نفسُه أبو عبد الله الحسين بن علي البصري شيخ القاضي عبد الجبار بن أحمد؛ فقد ذكره أبو المعين ميمون بن محمد النسفي (تـ508هـ) في كلامه عن آراء القدرية في تعيين موجد أفعال العباد، فقال: «زعمت القدرية أن موجدها على الحقيقة العبد، ولا صنع لله ـ تعالى ـ ولا تصرف في فعل العبد البَتَّةَ بوجه من الوجوه؛ غير أن أوائلهم لم يكونوا يتجاسرون على إطلاق اسم الخالق على العباد، وكانوا يقولون: إنه موجد فعله ومحدثه. ولا يقولون: هو خالقه. وكانوا يساعدون أهل الحق على أنه لا خالق إلا الله، إلى أن نشأ فيهم الجبائي فرأى أنه لا فرق بين اسم الخالق والموجد؛ فزعم أن كل ما دب ودرج خالق لفعله الاختياري. فلما انتهت نوبة رئاستهم إلى أبي عبد الله البصري الملقب بجعل زعم أن الخالق على الحقيقة هو العبد، وأن الله ـ تعالى ـ يسمى خالقا على مجاز القول دون الحقيقة» [2] .

(1) - وراجع ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ـ 2/ 145 حيث ذكر كتابه. وله: معالم العلماء ـ ص 42 رقم 267 حيث ذكر أنه المتكلم البصري.

(2) - أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة في أصول الدين ـ 2/ 539، 540. تحقيق كلود سلامة. نشر المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق. ط1، الجفان والجابي للطباعة والنشر ـ ليماسول، قبرص 1993م. لكن حكاية مذهب أبي عبد الله البصري بهذه الصورة فيها لون من التشهير في ذم الخصوم؛ لأن أبا عبد الله البصري جعل المعنى الحقيقي للخلق هو الفكر دون الفري والإيجاد؛ اعتمادا على قول زهير:

وَلأنْتَ تفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي

وقد ذهب أبو هاشم الجبائي إلى أن حقيقة الخلق الإرادة، وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن حقيقته الفكر، وقال عن كلمة الخلق: «لولا ورود السمع والإذن بإطلاق هذه اللفظة على الله ـ تعالى ـ وإلا ما كنا نجوز إطلاقها عليه ـ تعالى ـ عقلا» . عن القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 549. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية بين المتكلمين والصوفية ـ ص 308، 309. رسالة ماجستير بمكتبة كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة، مصر 1997م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت