فهرس الكتاب
لقد كان الرماني معتزليا بغداديا، وكان مع ذلك آية في علوم القرآن واللغة والفلسفة؛ حتى شهد له معاصره أبو حيان التوحيدي شهادة هو بمثلها ضنين؛ فقال عنه: «عالي الرتبة في النحو، واللغة، والكلام، والعروض، والمنطق وعيب به؛ لأنه لم يسلك طريق واضع المنطق؛ بل أفرد صناعة وأظهر براعة. وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا. هذا مع الدين الثخين، والعقل الرزين» [1] .
ثم ترجم له ابن المرتضى اليماني في الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة، فذكر أنه كان يقال له الجامع؛ لأنه جمع بين علوم الكلام، والفقه، والقرآن، والنحو، واللغة. وأنه قيل للصاحب: هلا صنفت تفسيرا. فقال: وهل ترك لنا علي بن عيسى شيئا!! وذكر ابن المرتضى أن تصانيفه كثيرة في كل الفنون. وذكر أنه أخذ على أبي بكر بن الإخشيذ؛ فذهب مذهبه في التعصب على أبي هاشم، ونقل عن البلخي أنه قال: حضرته لأعرف طريقته، فتجاوز كل حد في التعصب؛ فلم أعد إليه. قال ابن المرتضى: وله كتاب على أبي هاشم فيما خالف فيه أبا علي [2] .
وإن دراسة المفيد على هذا الشيخ الجامع المعتزلي البغدادي المتعصب على أبي هاشم الجبائي، من أهم الروافد التي كونت المذهب الكلامي عند الشيخ المفيد فيما بعد؛ وينضم إليها فكر النوبختيين الذي انتقل إليه على يد أبي الجيش المظفر بن محمد البلخي. ونضيف إلى هؤلاء وهؤلاء شيخا معروفا عند القوم بعلوم الفقه والحديث والرواية على مقتضى المذهب الاثنا عشري، وله مع ذلك اشتغال بالكلام؛ خاصة الكلام في مسائل الإمامة؛ لكن على منهج المحدثين النصي؛ لتتم لنا صورة المشيخة الكلامية للمفيد من جميع روافدها ..
(1) - أبو حيان: الإمتاع والمؤانسة ـ ص 98. ولعل هذا هو الذي دعا الحافظ الذهبي إلى أن يقول في ترجمة الرماني بسير أعلام النبلاء: «وكان أبو حيان التوحيدي يبالغ في تعظيم الرماني إلى الغاية، ويصفه بالتأله، والتنزه، والفصاحة، والتقوى» .
(2) - ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ـ ص 110.