وقد رأينا للقوم من قبل روايات تتعلق بالإمام الغائب في ولادة الصدوق وتلقيب المفيد. أما المرتضى فيروون في تلقيبه بعلم الهدى رؤيا لأحد وزراء القادر بالله في عام 420هـ، رأى فيها ـ بعد مَرَضٍ ألمَّ به ـ الإمَامَ عَلِيًّا ـ عليه السلام ـ يقولُ له: قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ. فقال: يا أمير المؤمنين، ومن علم الهدى؟ قال: علي بن الحسين الموسوي. وعندما كتب الوزير إلى المرتضى بذلك قال: الله الله في أمري؛ فإن قَبُولي لهذا اللَّقَبِ شَنَاعةُ عَلَيَّ. فقالَ الوزير: ما كتبتُ إليك إلا بما لَقَّبَكَ به جَدُّك. وتذكر الروايةُ بعد ذلك أنَّ الأمرَ نما إلى الخليفةِ القادر بالله؛ فكتبَ إلى المرتضى: تَقَبَّلْ يا عليُّ بنَ الحُسينِ مَا لَقَّبَكَ بهِ جَدُّك. فَقَبلَ وأسْمَعَ الناس [1] .
وقد بلغ من عناية المرتضى بالعلم ووسائله أن كانت له مكتبة عظيمة قل أن يجودَ الزمان بمثلها؛ فكان يفيد منها هو تلاميذه، ويُهدي منها الأمراء والوزراء والعلماء. وفي ترجمته عند الحر العاملي نقلٌ عن أبي القاسم التنوخي صاحب السيد المرتضى أنه أحصى مكتبتَه؛ فوجدها ثمانينَ ألفَ مُجَلَّدٍ من مُصنَّفاته ومحفوظاته ومقروءاته. وعن الثعالبي في «اليتيمة» أن هذه المكتبة قُوِّمَتْ بثلاثينَ ألفَ دينارٍ، بعد أن أُهْدِيَ منها إلى الرؤساء والوزراء شَطْرٌ عظيم [2] .
ومن ثمَّ كانت دارُ الشريف مُسْتَرَاضًا لِكُلِّ طُلابِ العلمِ من الشِّيعَةِ وَأهْلِ السُّنَّةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاء، وَمِنْ ثمَّ قَالَ تلميذُه الطوسي: «مُجْمَعٌ على فَضْلِهِ، مُقَدَّمٌ في العُلُومِ» .
(1) - انظر الشيخ النوري: خاتمة مستدرك الوسائل ـ 3/ 213، 214.
(2) - راجع الحر العاملي: أمل الآمل ـ 2/ 184.