الصفحة 16 من 23

على أن نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات، وأما الأهلَّة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببًا للصوم، بل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم، ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببًا للصوم قوله صلى الله عليه وسلم: (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) )ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] ، ثم قال: فإن غمَّ عليكم؛ أي: خفيَت عليكم رؤيته (( فاقدروا له ) )وفي رواية: (( فأكملوا العدة ثلاثين ) )، فنصب رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع [1] .

الوجه الثاني:

إن مقدِّمات الهلال أخفى، ويَكثُر الغلط فيها بخلاف الأوقات، ولا محذور في الهلال بعلم وجوده بالحساب، وإمكان رؤيته، ولا يُكلفنا الشرع بحكمه، ولو عمل في الأوقات كذلك كان الحكم كذلك لكنه أناط بوجودها فاتبعنا في كل باب ما قرره الشرع فيه [2] .

مناقشة الدليل الثاني:

وأما القياس على معرفة الشهر بالبينة فهو قياس مع الفارق كذلك؛ لأن الشرع أناط الصوم بالبينة ولم يوجب بالحساب فافترقا.

مناقشة الدليل الثالث:

وأما القول بأن الهلال إذا طلَع من الأفق مع إمكان الرؤية وجب الصوم بالحساب لوجود السبب الشرعي دون اشتراط الرؤية قياسًا على المحبوس في المطمورة فإنه قياس مع الفارق فلا يصح؛ وذلك لأن المحبوس معذور في ذلك، فوجب عليه التحري والاجتهاد بخلاف عموم الناس في حالة السعة، فإن اليقين في إثبات الشهر ممكن إما بالرؤية الشرعية وإما بإكمال العدة ثلاثين يومًا.

جاء في الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للجمل 3/ 387: قوله - أي قول الجلال في تفسير قوله تعالى {فَسُبْحَانَ اللَّهِ} : أي سبِّحوا بمعنى صلوا هذا

(1) - الفروق للقرافي (2/ 179) ، العلم المنثور للسبكي (ص: 7) .

(2) - فتاوى السبكي 1/ 208 ط دار المعرفة بيروت، العلم المنثور (ص: 8، 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت