الصفحة 11 من 36

وقيل لأحد العلماء: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحت بين نعمتين، لا أدري أيتهما أشكر: ذنوب ستَرها الله - عز وجل - عليَّ، فلا يُعيِّرني بها أحد، ومحبة قذَفها الله - عز وجل - في قلوب العباد.

وما أحسن قوله تعالى:" {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان: 12] ! فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وآخرة، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به، ولا يستطيع شُكْره، فإنه إنما هو مُحسِن إلى نفسه بالشكر، لا أنه مكافئ به لنِعَم الرب؛ فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نِعَمه أبدًا، ولا أقلها، ولا أدنى من نعمه، فإنه هو تعالى المنعم المتفضِّل الخالق للشكر والشاكر، وما يُشكَر عليه، فلا يستطيع أحد أن يُحصي ثناء عليه، فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزَعه شُكرَها، فشُكْره نعمة من الله، أَنعَم بها عليه، تحتاج إلى شُكْر آخر، وهلم جرًّا"؛ مدارج السالكين (242) .

نعمتك: ما أجلَّ نِعَم الخالق! فلو أردنا أن نُحصي نِعمَه - سبحانه - علينا ما استطعنا لها جمعًا، ولا أحصينا لها عددًا، فهي سلاسل ممتدة تُغطِّينا من رؤوسنا إلى أَخْمَص أقدامنا، نِعم حسيَّة ومعنوية تَكتنِفنا ليل نهار، يُقلِّب المؤمنُ نظرَه فيها، ففي كل طرفة عين نعمة؛ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] ""

قال الطبري رحمه الله-:"وإن تعدوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها، والقيام بشكرها إلا بعون الله لكم عليها، وقال طلق بن حبيب رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا توابين".

فالنعم التي أغدقها علينا مالك الملك بفضله، نِعَم تترى، ومن أعظم النِّعم التي امتنَّ الله بها علينا نعمة إتمام هذا الدين؛ لقوله تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، فنعمة الإسلام التي يَمُن الله علينا بها هي من أجلِّ النِّعم بعد نعمة الخَلْق، وليس لنا فيها يد، بل فطَرنا على هذا الدين القويم، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعلنا من أمة وثنيَّة أو مذاهب مُتعسِّفة.

نعمة الإسلام والإيمان: حيث ارتضى لنا هذا الدينَ وجعلنا من أهله وأورثنا حياةً طيبة آمنة آنسة به؛ ففي قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، رضي الله تعالى هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت