الصفحة 18 من 36

وقال ثابت بن قرة: الصدق ربيع القلب، وزكاة الخلقة، وثمرة المروءة، وشعاع الضمير، وقد امتدح الله عباده المؤمنين الصادقين في أكثر من موضِع في كتابه الكريم، وجاءت معظمها على سبيل المسألة والدعاء.

وأسألك لسانًا صادقًا: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] .

وسؤال الله الصدق: هو تحري الصدق في الأقوال كلها، فالصدق من كمال الأخلاق ومن أعظم الفضائل، واعتياد الصدق يؤدي إلى البِرِّ، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: (( عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة ) )، وأن يستعين بالله أن يَهَبه لسانًا صادقًا يدخل به في صِنْف الأبرار؛ روى الإمام مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: (( نعم ) )، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: (( نعم ) )، فقيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: (( لا ) ).

ففي هذا الحديث حكمة عظيمة؛ لأن الكَذِب يَندرِج تحته أمور عظيمة من القبائح، ولو تأمَّلتَ ما يَحدُث في العالم من وسائل الإعلام الحديثة والشبكة العنكبوتية، وسرعة ما يُبَث فيها من الكَذِب الذي يَبلُغ الآفاق، وتتبَّعت ما تَعِج به من الافتراء والنفاق والتزوير لرأيت عجبًا.

وقد قسَّم الله - سبحانه - الناسَ إلى صادق ومُنافق؛ فقال: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24] .

وهنا يَحرِص المؤمن على سؤال خالقه أن يُعينه على سلوك طريق الحق، وأن يهديه إلى سلوك الصدق، حتى يكون ملازمًا له يتحرَّى الصدقَ ويُراقِب خطرات لسانه، ولا يُلقي الكلام جزافًا دون تروٍّ، حتى تَصِل به الظنون أنه ليس مُراقبًا ولا مُحاسبًا، ويسير خلف هوى النَّفْس ولا يجد حرجًا في نفسه من أن يتلاعب لإقناع الآخرين بكَذِبه وافترائه، وهذا يدل على أن الإنسان المسلم عندما يكون دائم التعلق بالله يشعر بقُرْبه، فيَطلُب منه أن يُصلِح أحوالَه حتى يرتقي إلى منازل الأبرار الصادقين.

فصدق بالقلب وصدق بالأفعال، سواء بينه وبين ربه أو بينه وبين الخَلْق، ولا شك أن المسلم المطيع لربه قريبٌ منه يَهَبه الله بفضله أن يحشره في زمرة الصديقين، وينال ثوابَ الصديقين؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت