الصفحة 19 من 36

وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسَه إلى السماء وقال:"اللهم إني أعوذ بك أن أَخرُج مُخرَجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك"، بمعنى ألا يكون مخرجه إلا صِدقًا، فيكون دخوله وخروجه مبنيًّا على الصدق والإخلاص الذي يزول به كل شُبْهة، بأن يكون مخرجه لله، وبالله وابتغاء مرضاته واجتناب سَخَطه وغضبه.

وأمر الله عبادَه أن يتَّقوه ويكونوا مع الصادقين، قال - عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] ، وقد كانت قصة كعب بن مالك من أجمل قصص الصِّدق، فالتزام الصدق يُوصِل إلى التحقق من مرتبة التقوى، ثم يرتقي به إلى مرتبة البِرِّ، فيكون الصدق خُلُقًا ثابتًا له، حتى يُكتَب عند الله صدِّيقًا، ولا بد للمؤمن أن يَصدُق بقلبه فلا يُخالِف ظاهره باطنه، فإذا صدق باطنه صدق ظاهره، فيكون الصدق يتخلَّل شعابه كلها.

والكذوب: جاحد للحق حتى لو تبيَّن له، ويُنكِر الحقَّ ويدَّعي خلافه، وما أهونه عليه! حيث تلبَّس بخُلُق الكذب حتى صار أصلًا له، فلا يُحقِّق مطالبَه ورغباته وشهواته إلا بأكاذيبه، بل ويحلو له ويستمرئه ويعتاده.

المؤمن الذي يُبصِر حقيقةَ الصدق في كل ما يَمَسه ويمس غيره، يرفعه ذلك إلى القمة التي تَصِل به إلى اليقين، فتكون حياته كلها دائرة في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] .

يقول ابن القيم في الفوائد:"إياك والكذب؛ فإنه يُفسِد عليك تَصوُّر المعلومات على ما هي عليه، ويُفسِد عليك تصويرَها وتعليمها للناس ... ونَفْس الكاذب مُعرِضة عن الحقيقة الموجودة، نزَّاعة إلى العدم، مُؤثِرة للباطل."

ثم يقول: وأَوَّل ما يَسري الكذب من النَّفْس إلى اللسان فيُفسِده، ثم يسري إلى الجوارح فيُفسِد عليها أعمالَها، كما أفسد على اللسان أقواله، ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عملٍ فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكَذِب"؛ انتهى كلامه."

فاللهم اجعلنا من الصادقين المصدقين في القول والعمل، ووفِّقنا لما تُحِب وترضى، فلا عونَ لنا سواك، اللهم اجعلنا من الصادقين الذين يتنعَّمون بوعدك الحق؛ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت