ولهذا قال: {يَكَادُ زَيْتُهَا} من صفائه {يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، فإذا مسَّته النار، أضاء إضاءة بليغة {نُورٌ عَلَى نُورٍ} أي: نور النار، ونور الزيت.
ووجه هذا المَثَل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فُطِر عليها، بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مُستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان، اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة اشتعال النار في فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب من سوء القصد، وسوء الفَهْم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان، أضاء إضاءة عظيمة، لصفائه من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدُّريَّة، فيجتمع له نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، نور على نوره.
ولما كان هذا من نور الله تعالى، وليس كل أحد يَصلُح له ذلك، قال: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكَّى معه وينمو، {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} ليعقلوا عنه ويفهموا، لطفًا منه بهم، وإحسانًا إليهم، وليتَّضِح الحق من الباطل، فإن الأمثال تُقرِّب المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علمًا واضحًا، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ، فعِلْمه محيط بجميع الأشياء، فلتعلموا أن ضربه الأمثال، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها، وأنها مصلحة للعباد، فليكن اشتغالكم بتدبُّرها وتعقُّلها، لا بالاعتراض عليها، ولا بمعارضتها، فإنه يعلم وأنتم لا تعلمون"؛ تفسير السعدي - تيسير الكريم الرحمن (ص: 568) ."
القلب الطاهر: الذي سَلِم من كل خُبْث، وصفا من البدع والإصرار على الذنوب، وخلص من شوائب الكِبْر والحسد والحقد، وزُيِّن بالإخلاص والمحبة واليقين، ومال إلى كل حسنٍ، وسلِم من كل قبيح، وقد كُتِب عن القلوب مجلدات لا حصر لها، وذكَر لنا المصطفى عليه الصلاة والسلام في حديث يُبيِّن أهميةَ القلب: (( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) )، ولو أردنا أن نُبيِّن القلبَ السليم لضاقت الصفحات، ولطال بنا المُقام، ولكنا سنَذكُر بعضًا مما قيل فيه، عسى الله أن يجعلنا نلقاه بقلوب سليمة صافية ذاكرة نابضة بحبه وذِكره، مُنشرِحة بقضائه وقَدَره، ذليلة لعزته وجبروته، خافقة بحمده وشكره، قلوب تملؤها السكينة والرضا، تُحِب فيه، وتُبغِض فيه، وتسير بنا في نهجه وطريقه المستقيم، فالقلب هو مقر النعيم والسعادة والسرور.