الصفحة 22 من 36

وهو مقر المحبة، والمحبة: تعلُّق القلب بالمحبوب. يقول ابن تيمية:

وأخرج من بين البيوت لعلني *** أحدث عنك القلب بالسر خاليًا

كلما عرض أمر من الرب سبحانه قال القلب ناطقًا لبيك وسعديك ولك المنة في ذلك والحمد عائد إليك.

المحبة: تنبع من القلب وتسقيه بنور الإيمان، وتوحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب مقره القلب، وسقوط كل محبة من القلب إلا محبة الكريم العزيز.

جرت مسألة المحبة في مكة أيام المواسم - فتكلم فيها الشيوخ وكان الجنيد أصغرهم سنًا. فقالوا هات ما عندك يا عراقي. فاطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال:"عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه ثم قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كاس وده وانكشف له الجبار من أستار غيبته فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله"فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جزاك الله خير يا تاج العارفين.

والقلب مقر التقوى:

وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: (( التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره ) )؛ أخرجه مسلم، فالتقوى تقوى القلوب، لا تقوى الجوارح، وفي المسند مرفوعًا: (( فالإسلام علانية، والإيمان في القلب ) )؛ رواه أحمد، فتحقيق أعمال القلوب والاهتمام بصلاحها هو تحقيق لعبودية المحبة والرجاء والخوف والتوكل والإنابة، ولا يُعظِّم شعائرَ الله إلا أصحاب القلوب التقية، كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .

والقلب مقرُّ الإخلاص الذي هو مقتضى الإيمان، وما تُوزَن الأعمال إلا بإخلاص القلب الذي يَهدي المؤمنَ، ويدفعه إلى السلوك المستقيم ويحميه من العثرات؛ كما قال ابن المقفع:"المؤمن بخير ما لم يَعثُر، فإذا عثَر لَجَّ به العثار"، ومعنى لج: تمادى أو أصرَّ، وهو موطن الخشوع، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] ، وذلك يدل على أن القرآن له أصلٌ على لين القلب ورقَّته وخشوعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت