فهرس الكتاب
والتوبة النصوح: هي الخالصة من كل غشٍّ وفساد، وسُمِّيت نصوحًا؛ لأنها تحتاج إلى جهاد وصبر على عدم الرجوع إلى ما ألِفه من المعاصي، وعقد العزم على ألا يعود، ومخالفة هوى النفس، ولذلك كان جزاؤها عظيمًا بتكفير السيئات ودخول الجنات.
قال عمر بن الخطاب وأُبَي بن كعب رضي الله عنهما:"التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضَّرع".
وقال محمد بن كعب - وهو من التابعين:"التوبة يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان - والإقلاع بالأبدان - وإضمار ترْك العَوْد بالجَنان - ومهاجرة سيئ الإخوان".
ومن الوقفات العجيبة في سيرة الإمام الفضيل بن عياض قصة توبته، قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/ 423) :"قال أبو عمار الحسين بن حُريث، عن الفضل بن موسى قال: كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسَرخس، وكان سبب توبته أنه عشِق جارية، فبينما هو يرتقي الجُدران إليها، إذ سمِع تاليًا يتلو {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16] ، فلما سمعها، قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خَرِبة، فإذا فيها سابِلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نُصبِح؛ فإن فُضيلًا على الطريق يَقطَع علينا، قال: ففكَّرتُ، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا، يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تُبْت إليك، وجَعلتُ توبتي مُجاورة البيت الحرام".
أدعية وردت لبعض السلف في الاستغفار:
(( اللهم إني أستغفرك مما تبتُ منه ثم عُدَّت فيه ) ):
ومنها: ما ذُكِر عن يحيى بن معاذ وقد كان واعظًا عابدًا زاهدًا"كيف أمتنع بالذنب من الدعاء ولا أراك تمتنع بالذنب من العطاء".
والاستغفار دأب المتقين؛ ففي آية عظيمة من كتاب الله يُبيِّن فيها أن المتقين ليسوا معصومين، بل إنهم ربما ارتكبوا الفواحشَ، وفي هذا عدم تزكية عالم أو طالب علم، فليس هناك معصوم إلا الأنبياء؛ يقول - عز من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] ، وفي هذا يقول ابن تيمية:"الذنوب مُقدَّرة عليه، لازمة له، مُدرِكها لا محالة، وذلك بمقتضى الطبيعة البشريَّة، وبمقتضى قَدَر الله الكوني".