فهرس الكتاب
وهذا تأكيد على أن استغفار الرسول في حياته وليس بعد مماته، كما يظن أهل البدع، والله كريم عفو يعفو ويغفر، فما أرحمه وما أكرمه بعباده المؤمنين!
وأستغفرك مما تعلم: إحاطة الله وعِلْمه بأعمال عباده خيرًا أو شرًّا، وأنه عالم بنيَّاتهم وصِدْقهم في توبتهم ورجوعهم إليه، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون.
ومن الاستغفار: استغفار المؤمنين للصحابة والتابعين وبعضهم لبعض: {وَالَّذِينَ جَاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] ، واستغفار الأنبياء: {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28]
وفي الحديث الذي رواه مسلم في كتاب الإيمان (باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرِضوا عليه صِغارَ ذنوبه، ويُخبَّأ عنه كِبارُها، فيقال: عمِلتَ يوم كذا كذا وكذا، وهو مُقِر لا يُنكِر، وهو مُشفِق من كِبارِها، فيُقال: أعطوه مكان كل سيئة عملِها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبًا ما أراها ها هنا ) )، قال أبو ذر: فلقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحِك حتى بدت نواجِذُه.
وفي هذا يقول ابن القيم - رحمه الله:"الذنب لا بد له من أثر، وأثره يرتفع بالتوبة تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المُكفِّرة تارة، وبدخول النار ليتخلَّص من أثره تارة"؛ لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبث، اللهم افتح لنا باب الحسنات وباب التوبة، وارزقنا من اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، وحَرِّم النارَ على جلودنا، واصرف عنا عذابَ جهنم، وأدخلنا الجنةَ بغير حساب يا أرحم الرحمين!
إن الله يحب التوابين، والتواب صيغة مُبالَغة من التوبة، وهو كثير الرجوع إلى الله، فإذا غشى الخوف والرجاء قلب المؤمن، وأحسن الظن بربه، وأدرك رحمته وغفرانه، فديدنه كلما أذنب تاب وأناب.
وفي الحديث العظيم الإلهي حديث أبي ذر: (( يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفِر الذنوب جميعًا، فمن علِم أني ذو قدرة على المغفرة، غَفَرتُ له ولا أبالي ) )