فهرس الكتاب
وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام (أعلم الخَلْق) كان يقول في دعائه: (( لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك ) )، ويقول في دعاء الاستخارة، (( فإنك تعلم ولا أعلم ) ).
ويعلم ما في الصدور: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل: 74] ، {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 75] ، {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] .
يقول ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية، في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255] ؛ أي: الماضي كله، كل ماضٍ وكل مستقبل، وإنه - سبحانه - لا ينسى ما مضى، ولا يجهل ما يُستقبَل لكمال عِلْمه، وعجز خَلْقه عن الإحاطة به.
وقد يُخبِر الله - سبحانه وتعالى - عن بعض تفاصيل ذلك لبعض خَلْقه، كما يُطلِع الملائكة ويأمرهم أن يكتبوا للجنين في بطن أمه قبل ولادته أجلَه ورزقَه، وشقي أم سعيد؟ لكن ذلك كله مُعلَّق على مشيئته، فإن شاء أمضاه، وإن شاء محاه؛ {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] .
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل يوم بدر: (( هذا مصرع فلان غدًا، إن شاء الله ) )؛ رواه مسلم، فليس ذلك بمُعارَض بقول الله - عز وجل: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أخبر عن أماكن موتهم ووقته، فإنما علَّق ذلك على مشيئة الله - سبحانه وتعالى - فعِلْم الساعة ونزول الغيث، وعِلْم ما في الأرحام وموت الإنسان ومعاشه ومستقبله كل ذلك محيط بعلمه؛ فمفاتح الغيب الخمس على عمومها لا يعلمها إلا الله، وهذه الآية لا تُخصَّص، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تَغِيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نَفْسٌ بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ) )؛ رواه البخاري.
قال قتادة - رحمه الله:"أشياء استأثر الله بهن، فلم يُطلِع عليهن مَلَكًا مُقرَّبًا، ولا نبيًّا مُرسلًا؛ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] ، فلا يدري أحدٌ من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر، أو ليل أو نهار؟، {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34] ، فلا يعلم أحدٌ متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} [لقمان: 34] ، فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} "