فالدعاء صِلَة بين الضعيف (الإنسان) والقوي (الخالق) ، لا غنى عنه في صغيرة أو كبيرة، إذا عرَف الإنسانُ كمالَ الخلاق العظيم، وأنه قادر لا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء، وعرف المخلوق ضعْفَه، وأيقن أنه لا حول له ولا قوة له إذا لم يتَّصِل بقوة الله، وأنه قادر ولا حدَّ لقدرته، مع يقين العبد المؤمن في قُرْب الله منه وسماع دعائه، ومعرفته واطلاعه على صوت عبده، وهو يقول: يا رب، ما لي إله سواك، وعبيدك سواي كثير، يُنادي:"يا رب، يا رب"، في أي أمر يعترض له من أمور الدنيا، وأي أمر يَشغَله من أمور الآخرة، في أي أمر يرجوه، فمن رجا شيئًا طلبه ورغب فيه، فيَقرُن عملَه الصالح بالدعاء؛ لينال رحمة الله وتوفيقه، وتَكمُل له مراتب العبودية الحقة من التذلل بين يدي ربه، يتذلَّل بين يديه ويَبتهِل حتى يُفتَح له من لذيذ مناجاته ما يَزيده تَعلُّقًا بربه، وقُرْبًا منه، وتنفكُّ عنه قيودُ الهموم، وتنجلي عنه غيوم الأحزان، ويعتاد الثناء والمدح والتوسل لخالقه، واعترافه بفضله.
قال بعض العارفين:"إنه لتكون لي حاجة إلى الله، فأسأله إياها فيَفتَح عليَّ من مناجاته ومعرفته والتذلل بين يديه والتملق بين يديه، ما أُحِب معه أن يؤخِّر عني قضاءها، وتدوم لي تلك الحال"؛
فتكون راحة نفسه لذة مناجاته يَأنس بها، وينشرح لها صدره، ليُحقِّق مقامَ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، أسأل الله أن يُوفِّقني لشرح هذا الدعاء وبيان بعض معانيه ولن أحصي بيانه، ولن أصل إلى الإجلال والإعظام لبلاغة نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو يحدث بنور من ربه، وماهو إلا جهد المقل، جعلنا الله ممن يُرزَقون مجاورته في الفردوس الأعلى.
روى الطبراني في معجمه الكبير بسند ثابت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا شداد بن أوس، إذا كنَز الناسُ الذهبَ والفضة، فاكنِز هؤلاء الكلماتِ: اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمة على الرُّشد، وأسألك شُكْر نعمتك، وحُسْن عبادتك، وأسألك لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، وأسألك من خير ما تَعلَم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب ) )؛ الحديث صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (3228) ، وحسَّنه شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند.