دعاء عظيم غفَل عنه كثيرٌ من الناس، مع العلم أننا بحاجة إليه في زمن كهذا، عُجَّ بالفتن، وعمَّت فيه البلوى، واختلط (الحابل بالنابل) ،"وبهذا يكون العبد دائمًا مُتعلِّقًا بربه لا بالمخلوقين، وتكون همَّته لله بملازمة الدعاء والتوسل إليه بأسمائه وصفاته في كلِّ حال وعلى كل حال، فيكون شُغْل المرء بربه إذا ما عَرضتْ له حاجة أو لم تَعرِض، فلا يَسكُن قلبُه إلا باللجوء إلى الله"، فلا بد من اجتماع القلب والهمة على تَدبُّر هذا الدعاء وتَفهُّمه، فكلما دعا به العبد استشعر عظمتَه، ولامَس شَغَاف قلبه، فيشعُر بلذته؛ لأن من فَهِم شيئًا فُتحت له لذة مناجاته.
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر: من أعظم وسائل الثبات .. توحيد الله.
الثبات: هو الاستقامة والسير في طريق الهدى، حتى يلقى المسلمُ ربَّه ثابتًا على دينه وعقيدته وشَرْعه، ثابتًا على أمر ربه وعلى سُنَّة نبيه، كثبوت شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تَهُزها ريحٌ ولا يَثنيها إعصار، ثبات على منهج الاستقامة، وعلى الحق الذي عمَر قلبه، فانعكس على جوارحه، ثبات على فِعْل الأوامر، واجتناب النواهي؛ فالله - عز وجل - يقول في كتابه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] ، بمعنى لو أن الناس فعلوا ما يُوعَظون به من الأوامر، وابتعدوا عن النواهي، وصدَّقوا بالأخبار وتَمسَّكوا بالقرآن وعمِلوا بالسنة.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا} : ما يُوجَّه إليهم من توجيه إلهي في القرآن أو عن طريق السنة، لكان خيرًا لهم وثباتًا على دين الله؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الله الثباتَ إذا عمَّت الفتنُ وماجت، وعدم الولوج في الشبهات المضللة، ويسأله ثباتًا أمام المِحَن، ويسأله ثباتَ قلبه من التقلب والتحول والانحدار إلى مزالق الهوى والشبهات، وقد كان أكثر دعائه: (( اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك ) )، فإذا كان سيد الهداة صلى الله عليه وسلم يسأل الله الثباتَ، فنحن أولى بالسؤال منه، فإذا ثبت المؤمن في هذه الحياة الدنيا، وصدَق مع ربه، واجتنب مواضعَ الريب، لا شك أن الله الكريم الذي لا يَظلِم أحدًا، ولا يَضيع عنده عملُ عامل من ذَكَر أو أنثى، فإنه سيُكرِمه بالثبات عند سكرات الموت بالخاتمة الحسنة، ويُثبِّته في القبر عند سؤال المَلَكين للجواب الحق، إذا قيل له: مَن ربك؟ قال: ربي الله، وإذا قيل له: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، وإذا قيل له: من نبيك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، وهداه الله وأرشده ووفَّقه