الصفحة 23 من 27

أدعى للتأمل والتدبر والفهم، وهذا ما لم تتوالَ الجمل القصيرة، أما إذا توالت الجمل القصيرة فربما كان المناسب وصلها؛ خاصة في مثل القراءة في صلاة القيام.

ومن ذلك قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيز حكيم) [التوبة:40] ؛ فإن قوله (وكلمةُ الله هي العليا) هي جملة استئنافية وليست معطوفة على ما قبلها، وهناك فرق في المعنى بين كونها معطوفة وبين كونها استئنافية؛ وذلك أن الله تعالى أخبرنا أنه جعل كلمةَ الذين كفروا السفلى، فعلى العطف يكون المعنى أنه جعل كلمة الذين كفروا السفلى وجعل كلمته تعالى العليا، وليس هذا المراد، بل كلمته هي العليا دائما، أما كلمة الكفار فربما يُظن أنها علت وانتصرت فيمحقها الله تعالى، ويجعلها السفلى؛ لأن للباطل جولة ساعة، أما الحق فهو الغالب إلى قيام الساعة، ولا شك أن التعبير بالجملة الاسمية يفيد الثبوت والاستمرار، أما التعبير بالجملة الفعلية فإنه يفيد الحدوث، وبذلك يُعلم أنه لا يحسُنُ الظنُّ أن الله تعالى جعل كلمته هي العليا حين هجرة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل كلمته هي العليا دائما، وبهذا يظهر وجاهة الوقف عند قوله (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) ، ونلاحظ أن عليها في المصحف علامة الوقف (قلى) التي تدل على أن الوقف أولى.

ب الوقف بعد جملة الشرط إذا كان جزاء الشرط مقدرا غير مذكور؛ فإن هذا الوقف من الضرورة بمكان، فهو يدعو إلى الانتباه والتفكر، وليسيح البال في سبيل تقدير هذا الجزاء، ثم مطالعة كتب التفسير، أو السؤال عن ذلك. مثاله قوله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا) [الرعد:31] ، فنلاحظ أن على (الموتى) في المصحف علامة (قلى) ؛ وذلك أن هذه الجملة (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال .. ) جملة شرطية، ومعناها: لو أن أقرآنا من عظمته أنه تسيّر به الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى لكان هذا القرآن، فجزاء الشرط هو: لكان هذا القرآن المنزل [1] ، وهو مقدر للعلم به، فيحسن الوقف إذن بعد انتهاء جملة الشرط، وقبل قوله (بل لله الأمر جميعًا) .

(1) انظر: تفسير القرطبي (9/ 319) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت