الصفحة 24 من 27

ومن ذلك قوله تعالى: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) [يوسف: 15] ، فالجملة شرطية أيضًا وتنتهي عند (الجبّ) ، والجواب مقدر؛ أي: لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب فعلوا ذلك وجعلوه فيها. ويكون قوله (وأوحينا إليه لتبئنهم .. ) جملة استئنافية، ولذلك جعل في مصحف مجمع الملك فهد على (الجب) علامة الوقف الجائز (ج) ، وهذا على أحد القولين في المسألة.

والقول الآخر هو مذهب الكوفيين أن جزاء الشرط هو (أوحينا) ، ويجوز إقحام الواو قبل جزاء الشرط عندهم مع (حتى) و (لما) [1] .

ت إذا كان الكلام مسوقًا للذم؛ فإنه لا يحسن الوقف على ما لا ذم فيه ثم الابتداء بما بعده، وذلك كما في حكاية الله تعالى لكلام المنافقين، واختلاف قولهم مع المؤمنين عن قولهم مع شياطينهم وإخوانهم. مثال ذلك قوله تعالى عنهم: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) [البقرة:14] ؛ فإن هذا الكلام المحكي عنهم إنما ذكره الله على سبيل الذمّ لهم به بلا شك. وإذا تأملنا قراءة كثير من الأئمة نجد أنه يقف عند (آمنا) ، فيقرأ (وإذا لقوا الذين آمنا قالوا آمنا) ثم يقف ويكمل (وإذا خلوا إلى شياطينهم .. ) وهذا الوقف لا يفيد ذما، بل قول الإنسان:"آمنت"أمر محمود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسفيان بن عبدالله الثقفي رضي الله عنه: (قل آمنت بالله ثم استقم) [2] ، إنما الذم في أن يقول عند المؤمنين: آمنت، وعند الكفار يقول: لم أومن، بل أستهزئ، إذًا الذم لا يتحقق إلا بالوصل؛ لإيضاح التناقض والنفاق.

ومثل ذلك قوله تعالى في سياق الكلام عن المنافقين أيضًا: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيّت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون) [النساء:81] ، فلو قرأ القارئ: (ويقولون طاعة) ثم وقف؛ لما تحقق بذلك الذم؛ فإن قولهم:"طاعة"أمر محمود، إنما

(1) انظر: تفسير البغوي (2/ 479) ، تفسير الزمخشري (2/ 449) ، تفسير القرطبي (9/ 142) .

(2) أخرجه مسلم في صحيحه ح رقم (38) ، وأحمد في مسنده ح رقم (15416) ، والنسائي في السنن الكبرى ح رقم (11425) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت