الصفحة 40 من 45

ثانيا: مرحلة الأحد: تلك التي خلق الله فيها الجبال، وتقابلها مرحلة إقامة أوتاد للدعوة الإسلامية، فكما أن الجبال هي أوتاد الأرض فكذلك العلماء هم أوتاد الدعوة الإسلامية، لأنهم النواة الأولى لها، والعمود الفقري للدعوة الإسلامية، ولذلك جاء الأمر من الله تعالى لأن يصبر نفسه بمصاحبتهم، قال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الكهف/) ، فكان لاهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه - وهم الجيل الأول للدعوة - اهتماما خاصة أثر في إخراج العلماء الذين حملوا لواء الإسلام من بعده، ليكونوا هم أوتاد هذا الدين.

وهذه هي طريقة الأنبياء في الدعوة، أن أحاطوا بنقبائهم، وأحاط نقبائهم بهم حتى ذاع أمر الدعوة بين مؤيد ومعارض، قال سبحانه (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (المائدة/12) ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير) ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - قال (من يأتني بخبر القوم) يوم الأحزاب قال الزبير أنا ثم قال (من يأتيني بخبر القوم) ، قال الزبير أنا فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحديث [1] .

ثالثا: مرحلة الاثنين: تلك التي خلق الله فيها الشجر، الذي هو مصنع الحياة على الأرض، ويقابلها مرحلة العمل العام لبث الحياة والروح في الدعوة، أي بدء العمل الدعوي والمجتمعي والتفاعل مع المدعوين تماما مثل تفاعل عناصر الكون لإحياء الشجر والذي منه تبدأ سلسلة التغذية على الأرض، وبالتالي فإن الدعاة في هذه المرحلة ينشغلون بتحقيق النفع العام لمجتمعهم بصرف النظر عن عائده الدعوي، ذلك أن النفع العام هو مقصد أساسي وليس ثانوي من مقاصد العمل الدعوي، ليصل نفع المسلمين الناس أجمعين بصرف النظر عن معتقداتهم وأفكارهم وما يدينون، ولذلك صدَّر المولى سبحانه كتابه بسورة الفاتحة وقال في أول آياتها (الحمد لله رب العالمين) ، ودون أن يخص المسلمين عن غيرهم، مؤكدا شمولية ربوبيته العالمين مسلمهم وكافرهم، منعما عليهم بالخير لا بقدر عبادتهم له وإنما بقدر رزقهم الذي كتبه لهم، وكذلك فإنه حفظهم ورعاية دون أن يخص المسلمين بتلك الرعاية أو الحفظ، فقال سبحانه (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الشورى/6) ، فالحفظ شمل من عبدوا غير الله كما شمل من عبد الله تعالى.

(1) رواه البخاري ج 2 ص 1046 رقم 2691

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت