فهرس الكتاب
رابعا: مرحلة الثلاثاء: وفيها خلق الله المكروه: ويقابلها تركيز الدعوة الإسلامية علي التخلية من كل مكروه، فالمظهر السيء هو الذي يدل على الباطن الأسوأ، والأخلاق السيئة أكثر ظهورا من الأخلاق الحسنة، والمفاسد لا تجتمع مع المحاسن، وإلا أفسدتها، كالنجاسة إذا خالطت ماءا طاهرا فأثرت فيه، فلا يجوز التطهر به، ولذلك قال السلف التخلية قبل التحلية، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات/7) ، ومن ثم كان الصبر على المكروه هو صبر على مقاصد هذا الدين.
ومعيار القبيح والحسن غير متروك للأمزجة والأهواء .. [1]
خامسا: مرحلة الأربعاء: وفيها خلق الله النور، وتستهدف هذه المرحلة تحلية المدعوين بالأخلاق الحسنة وبما هو معروف ومحمود، تماما مثل النور الذي يضيء الكون كله، وبذلك يكتمل مضمون الخطاب الدعوي بوجه عام، يقول سبحانه (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف/157)
سادسا: مرحلة الخميس: وفيها خلق الله الدواب كلها، وتقابلها مرحلة الدعوة العمل المؤسسي ذات النفع الخدمي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري، أشبه إلى قيام الدولة قائمة على تكامل فريد بين مجموعات وأطياف متنوعة من البشر بصرف النظر عن أوجه اختلافهم سواء عقائديا أو فكريا أو اجتماعيا، وبصرف النظر عن تميزهم من حيث اللون أو الجنس أو العرق، فقد خلق الله تعالى الدواب كلها يوم الخميس لتعيش الكائنات معا رغم اختلافها في الأنواع والأشكال والصفات إلا أنها تعيش في توازن بيئي يحفظ نوعها ويضمن تكاثرها دون تغول على غيرها من الأجناس والكائنات الأخرى، وهنا يظهر أثر الالتزام بمنهج الإسلام حيث يتحقق التوازن البيئي المنشود، وهو ما يعني الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وهذه مرحلة شاقة ومرهقة جدا، ولا ينبغي استعجال قطف الثمار، فمن استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولذلك يعقب المولى سبحانه على ترتيبه خلق السماوات والأرض في ستة أيام بقوله سبحانه (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) ، إذ لو أصاب الإنسان لغوبا لأفسد ما أصلحه وأضاع ما حافظ عليه، فالإرهاق الشديد حين يصيب المرء يجب أن يستتبعه توقف وراحة
(1) أحمد بن علي بن ثابت الرفاعي الحسيني - البرهان المؤيد ج 1 ص 141 - لناشر: دار الكتاب النفيس - بيروت 1408 هـ