فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 30

كان بفعل عرب أو بربر [1] سواء أولئك العلماء الذين تعلموا في المنطقة، أم أولئك الذين رحلوا في طلب العلم، ثم عادوا، أم التجار الذين ينتقلون بين المنطقة وغيرها أو بين أسواق مدنها وقراها استقروا فيها أم لا؛ إذ هناك فرق بين دخول الإسلام وانتشارِه، فالأول يُمكِن أن يقوم به أي مسلم، والثاني يحتاج إلى معرفة لغات المنطقة لإيصال تعاليم الإسلام إلى أهلها والانتشار في القرى والأرياف لا الاكتفاء بالمدن الحضرية.

يؤيِّد ذلك عدد العلماء الذي حشده ملك"جني"كي يُعلن إسلامه أمامهم، فقد جعل السعدي العدد (4200 عالم) ، ويُبعد المبالغة عن هذا العدد أن (جني) كانت تتكوَّن مع توابعها من سبعة آلاف قرية، كما ذكر السعدي نفسه [2] ، وحيث إن الإسلام للناس كافة فإن تاريخه وحضارته في المنطقة وفي غيرها وسع - ولا يزال - مختلف الأجناس والشعوب أدلوا فيهما بدلائهم، فذلك من طبيعة الإسلام، وشموليته، وعالميته، وواقعيته.

وتارة يستدل أولئك القوميون لضعف الإسلام المعاصر في المنطقة بدخوله السلمي إليها، فيقال لهم: فما بال أجزاء العالم الأخرى التي فُتحت بالقوة قد ضَعف الإسلام فيها، وتارة بدرجة أعلى مما يتصوَّر في إفريقيا، وتارة أُخرى يَجعلون الحضارة الإسلامية في المنطقة"حضارة مغربية زنجية"و"حضارة مغربية عربية"و"حضارة مغربية أندلسية"كانت الرغبة في إيصالها إلى مجاهل القارة دافعًا جديدًا وقويًّا في انتقال الإسلام إلى أبعد الجهات [3] ، أرأيت إيصال هذه الحضارة إلى مجاهل القارة هو الدافع لانتقال الإسلام إليها، وليس الإسلام هو الذي نقل الحضارة إليها، حتى حلق الشعر وتناول وجبة العشاء من آثار الحضارة المغربية [4] ما هي المجاهل التي وصلتها الحضارة المغربية لنشر الإسلام، وما هي المراكز التجارية والمدن المشهورة التي سبقت بعضها المغرب إلى الإسلام؟

كما صار كثير من الموضوعات والبحوث ذات الصلة بتاريخ وحضارة المنطقة يرفض الكتابة فيها في الدراسات العليا في بعض الدول كالمغرب وليبيا - مثلًا - ما لم تُركِّز على جانب تأثير هذه الدولة أو تلك - إن حقًّا أو باطلًا - في الموضوع المدروس، ولو اقتضى الأمر ليَّ الحقائق بقوة القِسم العلمي وكليته وجامعته وسياسة دولته على مِنهاج الدراسات الغربية التي لا ترتاح إلا لنفي الحضارة عن المنطقة قبل الاحتلال وجيوشه، أو نفي تأثير الإسلام فيه أو تهوينِه، وإبراز أثر دول الاحتلال في تاريخها،

(1) انتشار الإسلام في غربي إفريقيا / 44.

(2) انظر: تاريخ السودان / 12، 13.

(3) انظر: بداية الحكم المغربي / 13، 568، 569، 571.

(4) انظر: المرجع نفسه - 611، 612.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت