فهرس الكتاب
المُحَدِّثينَ الَّذينَ يشتَرِطونَ في الصَّحيحِ أَنْ لا يكونَ شاذًّا، ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثِّقةِ مَن هو أَوثقُ منهُ.
والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ في [حدِّ] [الحديثِ] الصَّحيحِ، وكذا الحَسنِ [1]
والمَنقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ كعبدِ الرحمنِ [بنِ] مَهْدي، ويحيى القَطَّانِ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبي زُرْعةَ (( الرازي ) )، وأَبي حاتمٍ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ وغيرِهم - اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ.
وأَعْجَبُ مِن ذلك إِطلاقُ كثيرٍ مِن الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيادةِ الثِّقةِ، معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذلك؛ فإِنَّهُ قالَ في أَثناءِ كلامِه على ما يُعْتَبَرُ [بهِ] حالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ ما نَصُّهُ: (( ويكونُ إِذا أشْرَك أَحدًا مِن الحُفَّاظِ لم يُخالِفْهُ، فإِنْ خالَفَهُ فوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ كانَ في ذلك دليلٌ [على] صحَّةِ مَخْرَجِ حديثِهِ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ أَضرَّ ذلك بحديثِهِ ) ) [انتهى كلامه] .
ومُقتَضاهُ أَنَّهُ إِذا خَالَفَ فوُجِدَ حديثُهُ [أَزْيَدَ] (( من ) )أَضرَّ ذلك بحديثِه، فدلَّ على أَنَّ زيادةَ العَدْلِ عندَه لا يلزَمُ قَبولُها مُطْلقًا، وإِنَّما تُقْبَلُ مِن الحافِظِ؛ فإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يكونَ حديثُ هذا المُخالِفِ أَنْقَصَ مِن حديثِ مَن خالَفَهُ مِن الحُفَّاظِ، وجَعَلَ نُقصانَ هذا الرَّاوي مِن الحديثِ دليلًا على صحَّتِه؛ لأنَّه لا يَدُلُّ على تَحَرِّيهِ، وجَعَلَ ما عَدا ذلك مُضِرًّا بحديثِه، فدَخَلَتْ فيهِ الزِّيادةُ، فلو كانتْ [عندَه] مقبولةً مُطْلقًا؛ لم تكنْ مُضِرَّةً [بحديثِ] صاحِبِها، [واللهُ أَعلمُ] .
فإِنْ خُولِفَ - [أي] الراوي] - بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ [أَوْ كثرةِ] عدَدٍ أَو غيرِ ذلك مِن وُجوهِ التَّرجيحاتِ؛ فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ. ومُقابِلُهُ - وهو المرجوحُ - يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ.
مثالُ ذلك: ما رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَة مِن طريقِ [ابنِ] عُيَيْنَةَ عن عَمْرو [بنِ] دينارٍ عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ [- رضي الله عنهما: أَنَّ رجُلًا تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ، ولم يَدَعْ وارِثًا إِلاَّ مولىً هو أَعتقَهُ .... الحديثَ.
وتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ ابنُ جُريجٍ وغيرُه.
وخالفَهُم حمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرواهُ عَنْ عَمْرو بنِ دينارٍ عَن عَوْسَجَةَ ولم يَذْكُرِ (( حديث ) )ابنَ عباسٍ.
قال أبو حاتمٍ: المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. أهـ كلامُه.
(1) بعض الناس قد يتكلم ويجعل بعض الشروط وقد تقدم أن من شرط الصحيح أن لا يكون شاذًا ولا يكون معلولًا فإذا شذ خرج عن مرتبة الصحيح.