الصفحة 24 من 73

وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِن الجوامعِ والمسانيدِ والأجزاءِ لذلك الحديثِ الذي يُظنُّ أَنَّه فردٌ لِيُعْلَمَ هلْ لهُ متابِعٌ أَم لا هُو: الاعتبارُ.

وقولُ ابنِ الصَّلاحِ: (( معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهِدِ ) )قد يوهِمُ أَنَّ الاعتبارَ قَسيمٌ لهُما، وليسَ كذلك، بل هُو هيئةُ التوصُّلِ إِليهِما. [1]

وجَميعُ ما تقدَّمَ مِن أَقسامِ المَقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مَراتِبِهِ عندَ المُعارضةِ، واللهُ أَعلمُ. [2]

ثمَّ المَقبولُ [3] ينقسِمُ [أَيضًا] إلى مَعمولٍ بهِ وغيرِ مَعْمولٍ بهِ؛ لأنَّهُ إِنْ سَلِمَ مِنَ المُعارَضَةِ؛ أَي: لم يَأْتِ خبرٌ يُضادُّهُ، فهُوَ المُحْكَمُ، وأَمثلتُه كثيرةٌ.

وإِنْ عُورِضَ؛ فلا يَخْلو إِمَّا أَنْ يكونَ مُعارِضُةُ مقبولًا مثلَه، أَو يكونَ مَردودًا، فالثَّاني لا أَثرَ [لهُ] ؛ لأنَّ القويَّ لا تُؤثِّرُ فيهِ مُخالفةُ الضَّعيفِ.

وإِنْ كانتِ المُعارضةُ بِمِثْلِهِ فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ [بين] مدلولَيْهِما بغيرِ تَعَسُّفٍ أَوْ لاَ:

فإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ؛ فهو النَّوعُ المُسمَّى مُخْتَلِفَ الحَديثِ، [و] مثَّلَ لهُ ابنُ الصَّلاحِ بحديثِ: (( لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ، [ولا هامَّةَ، ولا صَفَر، ولا غُول] ) )مع حديث: (( فِرَّ مِنَ المَجذومِ فِرارَكَ مِن الأسَدِ ) ).

وكلاهُما في الصَّحيحِ، وظاهِرُهما التَّعارُضُ!

ووجْهُ الجمعِ بينَهُما أَنَّ هذهِ الأمراضَ لا تُعْدي بطبْعِها، لكنَّ الله [سبحانَه و] تعالى جَعَلَ مُخالطةَ المريضِ بها

(1) مثل ما قال المؤلف ابن الصلاح تسامح فقال (معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد) فقد يوهم أن الاعتبار غيرهما والتحقيق أن الاعتبار هو التتبع وليس قسمًا مستقلًا وإنما هوالهيئة والطريق إلى معرفة الشواهد والمتابعات يسمى اعتبارً وتتبعًا للطرق.

(2) إنما يحتاج لهذا عند المعارضة حتى يعرف أيهما أقوى وأيهما أثبت عند التعارض حتى يعرف الصحيح من الضعيف والمحفوظ من الشاذ والناسخ من المنسوخ حتى يتميز لطالب العلم منزلة الحديث عند المعارضات.

(3) وهذا بحث مهم فالمقبول من الحديث وهو ما ثبت سنده ويحتج به له أقسام تارة يكون محكم وتارة يكون غير ذلك وتارة يكون منسوخ وتارة يكون ناسخ وتارة يحصل التوقف على أحوال المتون والأسانيد فالمقبول إن سلم من المعارضة يسمى المحكم ولو كان المعارض ضعيفًا لا يلتفت إليه ويطرح الضعيف ويسمى الحديث محكمًا لأنه لم يعارض بحديث يؤثر عليه مثل حديث (إنما الأعمال بالنيات) وحديث (البيعان بالخيار) وأحاديث كثيرة، وتارة يعارض بمثله يعارض بحديث قوي فهذا فيه التفصيل إن إمكن الجمع يسمى مختلف الحديث فيجمع بينهما بما يراه العالم كأن يحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص فيزول الإعتراض مثل حديث (لا عدوى ولا طيرة) وحديث (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فالجمع بينهما ممكن وليس هناك نسخ، فتحمل (لا عدوى ولا طيرة) يعنى لا تعدي بطبعها ولكن قد يجعل الله عز وجل الخلطة سببًا كما قال ابن الصلاح وغيره وهذا أرجح فقوله (لا عدوى) يعنى لا تعدي بطبعها، وقوله (فر من المجذوم) يعنى لا تتعاطى الأسباب الجالبة للعدوى قال صلى الله عليه وسلم (لا يورد ممرض على مصح) من باب توقي الأسباب الضارة، فالعدوى ليست لازمة ولكن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالأسباب التي والبعد عن الاشياء التي قد جرت العادة أنها تعدي أخذًا بالأسباب والبعد عن الخطر.

فإن لم يتيسر الجمع فينظر في أمر ثالث وهو النسخ يكون المتأخر ناسخًا للمتقدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت