فهرس الكتاب
للصَّحيحِ سببًا لإعدائِهِ مَرَضَه.
ثمَّ قد يتخلَّفُ ذلك عن سبَبِه كما في غيرِهِ من الأسبابِ، كذا جَمَعَ بينَهما ابنُ الصَّلاحِ تَبعًا لغيرِه!
والأَوْلى في الجَمْعِ بينَهُما أَنْ يُقالَ: إِنَّ نَفْيَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للعَْدوى باقٍ على عُمومِهِ، وقد صحَّ قوله صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ: (( لا يُعْدِى شيءٌ شيئًا ) )، وقولُه صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ لِمَن عارَضَهُ: بأَنَّ البَعيرَ الأجْرَبَ يكونُ في الإِبلِ الصَّحيحةِ، فيُخالِطُها، فتَجْرَبُ، حيثُ ردَّ عليهِ بقولِه: (( فمَنْ أَعْدى الأوَّلَ؟ ) )؛ يعني: أَنَّ الله [سبحانَه و] تعالى ابتَدَأَ ذلك في الثَّاني كما (( في ) )ابْتَدَأَفي الأوَّلِ.
وأَمَّا الأمرُ بالفِرارِ مِن المَجْذومِ فمِن بابِ سدِّ الذَّرائعِ؛ لئلاَّ يَتَّفِقَ للشَّخْصِ الذي يخُالِطُه شيءٌ مِن ذلك بتقديرِ اللهِ (( سبحانه و ) )تعالى ابتداءً لا بالعَدْوى المَنْفِيَّة، فيَظُنَّأَنَّ ذلك بسببِ مُخالطتِه فيعتقدَ صِحَّةَ العَدْوى، فيقعَ في الحَرَجِ، فأَمَرَ بتجنُّبِه حسْمًا للمادَّةِ، [والله أعلم]
وقد صنَّفَ في هذا النَّوعِ [الإِمامُ] الشافعيُّ كتابَ (( اختِلافِ الحديثِ ) )، لكنَّهُ لم يَقْصِدِ استيعابَه.
و [قد] صنَّفَ فيهِ بعدَهُ ابنُ قُتيبةَ والطَّحاويُّ وغيرُهما.
وإِنْ لم يُمْكِنِ الجمعُ؛ فلا يخْلو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ التَّاريخُ أوْ لاَ:
فإِنْ عُرِفَ وَثَبَتَ المُتَأَخِّرُ [بهِ] ، أَو بأَصرحَ منهُ؛ فهو النَّاسِخُ، والآخَرُ المَنْسُوخُ.
والنَّسْخُ: رفْعُ تعلُّقِ حُكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّرٍ عنهُ.
والنَّاسخُ: ما يدلُّ [على] الرَّفعِ المذكورِ.
وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ؛ لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى.
ويُعْرَفُ النَّسخُ بأُمورٍ:
أَصرحُها: ما ورَدَ في النَّصِّ كحديثِ بُريدَةَ في (( صحيحِ مسلمٍ ) ): (( كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زِيارةِ القُبورِ (( ألا ) )فزُوروها؛ فإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ ))
ومِنها ما يجزِمُ الصَّحابيّ ُبأَنَّه متأَخِّرٌ كقولِ جابرٍ: (( كانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ تَرْكُ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) )أَخرَجَهُ أَصحابُ السُّننِ. [1]
(1) أما الأول فهو نسخ واضح فقوله (فزوروها) نسخ للنهي، وأما الأخير (ترك الوضوء مما مست النار) فليس صريحًا في النسخ ولهذا قال المحققون من أهل العلم إنه يدل على عدم الوجوب وأن قوله صلى الله عليه وسلم (تؤضوا مما مست النار) ليس على الوجوب بل على الاستحباب ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ فدل على أنه لا يجب الوضوء بل يستحب وقال آخرون بل نسخ لقوله (كان آخر الأمرين .. ) وهذا الصواب لا يدل على النسخ بل يدل على الجواز. من توضأ فهو أفضل ومن ترك فلا حرج لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا وفعل هذا.