الصفحة 31 من 73

فالقسمُ الأوَّلُ، وهُو الطَّعْنُ [بكَذِبِ] الرَّاوي في الحَديثِ النبويِّ هو المَوضوعُ، والحُكْمُ عليهِ بالوَضْعِ إِنَّما هُو بطريقِ الظَّنِّ الغالِبِ لا بالقَطْعِ، إِذ [قَدْ] يَصْدُقُ الكَذوبُ، لكنَّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ مَلَكَةً قويَّةً يميِّزون بها (( بين ) )ذلك، وإِنَّما يقومُ بذلك منهُم مَن يكونُ إِطِّلاعُهُ تامًّا، وذهْنُهُ ثاقِبًا، وفهمُهُ قويًّا، ومعرِفتُهُ بالقرائنِ الدَّالَّةِ على ذلك متمَكِّنَةً.

وقد يُعْرَفُ الوضعُ بإِقرارِ [واضِعِه] ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (( رحمه الله ) ): لكنْ لا يُقْطَعُ بذلك؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإِقرارِ أ. هـ

وفهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلًا، وليسَ ذلكَ مرادَهُ، وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك، ولا يلزَمُ مِن نفيِ القَطْعِ نفيُ الحُكْمِ؛ لأنَّ الحُكْمَ يقعُ بالظَّنِّ الغالِبِ، وهُو هُنا كذلك، ولولا ذلك لَما ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ، ولا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بالزِّنى؛ لاحتمالِ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به! [1]

[2] ومِن القَرائنِ الَّتي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ ما يؤخَذُ مِن حالِ الرَّاوي؛ كما وقَعَ لمأْمونِ بنِ أَحمدَ أَنَّه ذُكِرَ بحضرَتِه الخلافُ في كونِ الحسنِ سَمِعَ مِن أَبي هُريرةَ أَوْلاَ؟ فساقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ أَنَّهُ قالَ: سمِعَ الحسنُ مِن أَبي هُريرة. [3]

وكما وقعَ لِغياثِ بنِ إِبراهيمَ حيثُ دخَلَ على المَهْدي فوجَدَهُ يلعبُ بالحَمَام، فساقَ في الحالِ [إِسنادًا] إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أَنَّه [قالَ] : (( لا سَبَقَ إِلاَّ في نَصْلٍ أَو خُفٍّ أَو حافِرٍ أَو جَناحٍ ) )، فزادَ في الحديثِ: (( أَو جَناحٍ ) )، فَعَرَفَ المهديُّ أَنَّه كذبَ لأجلِهِ، فأَمرَ بذَبْحِ الحَمَامِ. [4]

ومِنها ما يُؤخَذُ مِن حالِ المَرويِّ كأَنْ يكونَ مُناقِضًا لنَصِّ القُرآنِ أَو السُّنَّةِ المُتواتِرَةِ أَو الإِجماعِ القطعيِّ أَو صَريحِ العَقْلِ، حيثُ لا يَقْبَلُ شيءٌ مِن ذلك التَّأْويلَ.

ثمَّ المَرويُّ تارةً يختَرِعُهُ الواضِعُ، وتارةً يأْخُذُ [مِن] كلامِ غيرِهِ كبَعْضِ السَّلفِ الصَّالحِ أَو قُدماءِ الحُكماءِ أَو الإِسرائيليَّاتِ، أَو يأْخُذُ حَديثًا ضَعيفَ الإِسنادِ، فيُرَكِّبُ لَهُ إِسنادًا صحيحًا ليَرُوجَ. [5]

(1) فهو مؤاخذ بإقراره في الحق والباطل وأن اتهم ما دام عاقلًا ولهذا يقتل إذا أقر بالقتل وكذا إذا أقر بالزنا وغيره.

(2) (فجر الأحد 14/ 5 / 1416 هـ)

(3) هذا واضح فيه الكذب فالحسن ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة وكونه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحسن سمع من أبي هريرة فهذا يدل على الكذب.

(4) وهذا من الفضائح التي افتضح فيها الوضاعون فزاد في الحديث ليرضي به الخليفة.

(5) هذه حال الوضاعين فتارة يأخذون كلامًا لبعض السلف أو من قدماء الحكماء أو الاسرائيليات أو يأخذ حديثًا ضعيف الإسناد فيركب إسنادًا صحيحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت