الصفحة 16 من 31

مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [1] ، وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره.

فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من الله ذكر، أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهَِ} [2] هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكر لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أعِّرف معناه، لكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخالف كلام الله، وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهون به، فإنه كما قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [3] .

وأما الجواب المفصل: فإن أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين لهم اعتراضات كثيرة، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم [4] .

فجاوبه: بما تقدم، وهو أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقرون بما ذكرت ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه.

فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت في من يعبد الأصنام [5] ، كيف تجعلون

(1) سورة يونس، آية: 62.

(2) سورة يونس، آية: 18.

(3) سورة فصلت، آية: 35.

(4) من شُبَه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين قولهم: (( الصالحون لهم عند الله جاه وأنا أطلب من الله بهم ) ).

وكشفها بأن تقول: إن الذين قاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -،كانوا يريدون من الصالحين الشفاعة والجاه، فلم يدخلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام، بل حكم عليهم بالشرك، وقاتلهم حتى اهتدى من اهتدى، وهَلَك من هَلَك، فدل ذلك على أن طلب الشفاعة من الأموات والغائبين شرك أكبر لا يعد صاحبه من المسلمين بل هو مشركٌ حلال الدم والمال إن لم يتب من شركه.

(5) ومن شُبه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين قولهم: (( إن الآيات والأحاديث

التي فيها ذم المشركين ووعيدهم إنما نزلت فيمن يعبد الأصنام، ونحن لا نعبد

الأصنام فلسنا بمشركين )) .

وكشفها والرد عليها: بأن نقول:

إن الكفار الذين بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم إلى الإسلام، وقاتل من لم يسلم منهم كانوا متفرقين في عباداتهم ومعبوداتهم، فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الصالحين كالعزير والمسيح واللات وودًا وسواعًا وغيرهم، ومنهم من يعبد الأوثان من الأشجار والأحجار، فلم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم من أجل تنوع معبود اتهم ـ ولم يخص من يعبد الصالحين بعذر أو تكريم ـ بل كفرهم جميعًا من أجل شركهم وقاتلهم حتى قتل من قتل منهم ودخل الإسلام من دخله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت