فهرس الكتاب
الصالحين أصنامًا، أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟.
فجاوبه: بما تقدم فإنه إذا أقرّ أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره فاذكر له أن الكفار، منهم من يدعو الصالحين والأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ .... } [1] الآية، ويدعون عيسى بن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: {مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [2] ، واذكر له قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [3] وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ} [4] .
فقل له: عرفت أن الله كفََر من قصد الأصنام، وكفّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يفرق بينهم.
فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم [5] .
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [6] ، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهَِ} [7] .
(1) سورة الإسراء، آية: 57.
(2) سورة المائدة، آية: 75.
(3) سورة سبأ، آية: 40 - 41.
(4) سورة المائدة، آية: 116.
(5) ومن شبه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين قولهم: (( إن طلب الشفاعة من الأولياء ليس بشرك، بل هو اعتقاد فيهم وحسن ظن بهم ) ).
وكشفها بالجواب التالي: أن هذا بعينه قول الكفار واعتقادهم في معبوداتهم، قالوا ما حكى الله عنهم {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهَِ} [يونس:18] ، وقالوا {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر:3] ، فكان الذي حملهم على التعلق بآلهتهم ـ بزعمهم ـ تعظيمهم وحسن ظنهم بهم وطلبهم الشفاعة لهم من رب الجميع، وقد كفَّرهم الله ورسوله بذلك، وأحل دماءهم وأموالهم وذراريهم من أجل ذلك القول وما أُبني عليه من اعتقاد فاسد وعمل وعملٍ باطل.
(6) سورة الزمر، آية: 3.
(7) ومن شُبه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين قول طالب الشفاعة من الأولياء والصالحين (( أنا لست بمشرك لأني لا أعتقد فيهم شيئًا من معنى الربوبية ) ).
وكشفها بالجواب التالي:
1)... أن يُبيِّن له معنى الشرك في القرآن والسنة، وأن حقيقة الشرك دعوة غير الله تعالى معه أو صرف شيء من حقه لأحد من خلقه، وتسوية غيره به فيما هو من خصائصه.
2)... أن يذكر له حال المشركين الذين نزل فيهم القرآن، وإقرارهم لله بالربوبية، ولكن أنكروا تفرد الله تعالى بالإلهية وأبوا عن الإخلاص له في العبادة بإفراده بها فصاروا بذلك مشركين كافرين بالتوحيد.
3)... بيان مرادهم بالتشفع بالمشركين والتوسل بهم، وأنهم ما أرادوا ممن دعوهم من دون الله تعالى إلا الشفاعة والتقريب إلى الله زلفى وهذا شركهم الذي أحل دماءهم وسائر حرماتهم حين لم ينتهوا عنه.
4)... أنهم مقرّون بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تدبر ولكن لم ينفعهم
ذلك مع شركهم في العبادة.