الصفحة 22 من 31

وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله.

فقل له: وما الشرك بالله، فسره لي؟.

فإن قال: هو عبادة الأصنام.

فقل: وما معنى عبادة الأصنام، فسِّرها لي؟.

فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده.

فقل: ما معنى عبادة الله وحده، فسّرها لي؟.

فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدَّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه [1] وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون كما صاح

إخوانهم حيث قالوا: {أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [2] .

فإذا عرفتَ أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا هذا (الاعتقاد) هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس عليه، فاعلم أن شرك الأوليين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:

أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ

(1) إلزام عُبّاد القبور بأن عملهم عندها من دعاء الصالحين والذبح والنذر لهم شركٌ بالله تعالى يكون من وجوه:

الأول: أن العبادة حق لله تعالى، وهذا متفق عليه بين الخصمين.

الثاني: أن العبادة هي طاعة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بفعل ما أمر الله به العباد وترك ما نهاهم عنه إذا أديت على الوجه الذي شرع خالصًا لله تعالى.

الثالث: أن من أنواع العبادة التي تجب طاعة الله ورسوله فيها، الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد، فكل هذه يجب إخلاصها لله تعالى، ولا يجوز أن يشرك معه فيها غيره، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك.

الرابع: فكذلك الدعاء والذبح والنذر والاستعانة والاستغاثة كلها عبادات يجب إخلاصها لله تعالى، ولا يجوز أن يتوجه به إلى أحد سواه كائنًا من كان.

الخامس: المشركون الذين نزل فيهم القرآن كانوا يعبدون الملائكة والنبيين والصالحين، وما كانت عبادتهم إلا في الدعاء والذبح والنذر والالتجاء لطلب الجاه والشفاعة، وإلا فقد فكانوا مقرين لله تعالى بالملك والتدبير وحده، وأن هؤلاء الذين يدعونهم معه عبيده لا يدبرون معه من ملكه شيئًا.

(2) سورة ص، آية:5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت