فهرس الكتاب
كَفُورًا [1] ، وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [2] ، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} إلى قوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [3] ، وقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [4] .
فمن فَهِم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، أما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم فإذا تبين لك الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، لكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا، والله المستعان.
والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا وأحجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس والذين يدعونهم هم الذين يحكوا عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح والذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد في من يشاهد فسقه وفساده ويشهد به.
إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء [5] فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فاصغ سمعك لجوابها، وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله
(1) سورة الإسراء، آية:67.
(2) سورة الأنعام، آية:40 - 41.
(3) سورة الزمر، آية:8.
(4) سورة لقمان، آية: 32.
(5) شرك المتأخرين أغلظ من شرك الأولين من جوه:
أحدها: أن شرك الأولين في الرخاء فقط، وشرك المتأخرين في الرخاء والشدة فشرك الأولين أهون والكل خطير.
الثاني: أن الأولين يشركون بأناس صالحين، أو مخلوقات غير عاصية، وهؤلاء يشركون بالطواغيت والفجرة، فالأولون أعقل من المتأخرين.
الثالث: أن المتأخرين اعتقدوا أن شركهم دين يحبه الله، ولذا يتقربون إليه به، ومن هذا شأنه فإنه لا يتوب من ضلاله إذ كيف يتوب من أمر يعتقده دينًا يقربه من الله تعالى وصدق الله العظيم إذ يقول: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} [فاطر:8] ، ويقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103 - 104] .
الرابع: أن المتأخرين في حقيقة أمرهم يعظمون من يعتقدون فيه السر
ويتعلقون به من أجل ذلك تعظيمًا لا يليق إلا بالله تعالى، فإنهم في الحقيقة جعلوهم مقصودين من دون الله والأولون جعلوهم وسائط إلى الله ومقصودين معه، فشرك المتأخرين أغلظ، والكل غليظ وإثم عظيم وضلال مبين.
الخامس: أنهم اعتقدوا أن توحيد الله تعالى وإفراده بحقه جفاءً للصالحين فأنكروا على من يدعوهم إليه فغاروا ـ كما زعموا ـ على حق الصالحين ولم يغاروا على حق رب العالمين.