وكذلك الحال نفسهُ مع الإمارات الأناضولية وتحديدًا إمارة آل قرمان. وأدت الفتوحات التي شهدتها الدولة العثمانية في عهده إلى زيادة مساحتها من جهة وعدد سكانها من جهة ثانية وهذا أكسبها زيادة في قوتها، لأن العاملين الجغرافي والبشري يشكلان العناصر المهمة في بنية الدولة، وذلك كان سببًا في انتعاش الاقتصاد العثماني وزاد من قوة وهيبة الدولة.
9 -إن ما يلاحظ على الدولة العثمانية في عهد السلطان مراد الأول السرعة في التوسع والسيطرة على الأراضي سواء في الأناضول أو في الروميلي، فمن الطبيعي أن تثير تلك السرعة ردود فعل قوية في الغرب الأوربي، وأن يوجه بابا كنيسة روما الدعوات إلى ملوك وأمراء أوربا، لتشكيل الحلف تلو الآخر لإخراج العثمانيين من أوربا وإبعاد خطرهم الداهم عنها، إلا أن جميع أحلافهم تشتت أمام القوة العسكرية العثمانية، وبذلك خسرت أوربا الشرقية المزيد من أملاكها وأجبر ملوكها على تقديم تنازلات أكثر للعثمانيين بفضل حنكة ومقدرة السلطان مراد الأول.
10 -أن السلطان مراد الأول رفع مرتبة الدولة العثمانية من إمارة صغيرة إلى دولة ذات مساحة واسعة. فبعد أن كانت قبل عهده تقتصر فقط على بعض مناطق الأناضولية في آسيا الصغرى، وعلى غاليبولي وبعض الحصون التابعة لها في الروميلي، اتسعت كثيرًا في عهده لتشمل أغلب مدن الأناضول والبلقان تقريبًا باستثناء القسطنطينية والمجر ومناطق أخرى بقيت خارج سيطرته. وهذا لا يعني أن الدولة العثمانية كانت القوة الوحيدة في المنطقة، على العكس من ذلك فإن إمارة آل قرمان كانت تضاهيها في القوة والمكانة، وكذلك وجود الإمبراطورية البيزنطية ذا القوة العسكرية الكبيرة، إلا أن الصراعات الأسرية في تلك المدة سلبت قوتها، فضلًا عن أن القوة العسكرية التي تتمتع بها الممالك في أوربا الشرقية. وهذا ليس تقليلًا من شأن القوة العسكرية العثمانية، على العكس من ذلك فإن قوة العثمانيين والروح المعنوية القتالية لدى جنودهم مكنتهم من التفوق على جميع القوى العسكرية في تلك المناطق طيلة عهد السلطان مراد الأول.
11 -مما يثير الانتباه أن المصادر العربية جميعها لم تتابع مسيرة الفتوحات في عهد السلطان مراد الأول بما يضمن الوضوح في أعماله الكبيرة التي أنجزها أثناء مدة حكمه، واكتفت بذكر عهده بشكل موجز بعيدًا عن التفصيل، وهذا مما قلَّل كثيرًا من قيمة ذلك العهد بوصفه أساس القوة للدولة الناشئة.