شغلت الدولة العثمانية مدة زمنية تناسبت ومساحتها الجغرافية فكادت تكون الأكبر والأطول في تاريخ الدول والإمبراطوريات، إذ بلغت مساحتها وهي في أوج قوتها وتوسعها ما يزيد عن أربعة عشر مليون كم 2، وقد لفتت أنظار العالم سياسيًا ودينيًا، لذلك كثر دارسوها والمهتمون بشؤونها، فبرزت دراسات وبحوث تاريخية متعددة ومختلفة عكست وجهات نظر متباينة، فالأوربيون وجدوا في تلك الدولة مصدر قلق شدَّ انتباههم لأجيال متتابعة فكتبوا بذلك الهاجس، ووجد المسلمون أنها حاميتهم وممثلهم الشرعي، فنسجت أقلامهم ما قدمه العثمانيون للإسلام والمسلمين، وظهر من بين الاثنين من كتب بإنصاف وموضوعية وحيادية يمكن أن تعتمد كتاباتهم للوصول إلى الحقائق التاريخية.
ويبدو أن الجميع كان تركيزهم على أسباب النهوض والانهيار، فأخذت مراحل حكم السلاطين التي شهدت عهودهم أوج القوة والتوسع أمثال السلطان محمد الفاتح (855 - 886 هـ/1451 - 1481 م) ، والسلطان سليم الأول (918 - 926 هـ/1512 - 1520 م) ، والسلطان سليمان القانوني (926 - 974 هـ/1520 - 1566 م) جهدًا كبيرًا، كما لم يترك الضعفاء من السلاطين دون توجه الأقلام لدراسة عهودهم منذ بداية عهد السلطان سليم الثاني (974 - 982 هـ/1566 - 1574 م) ، الذي يُعَدَّ بداية مرحلة ضعف الدولة العثمانية.
وما يلفت النظر هو قلة الكتابات عن القرن الأول من عمر تلك الدولة وتحديدًا مدة حكم السلطان مراد الأول (760 - 791 هـ/1359 - 1389 م) ، إذ شهدت مدة الدراسة هذه سلسلة من الأحداث المهمة على الصعيد الداخلي والخارجي، والتي كان لها الأثر البالغ في تاريخ الدولة العثمانية، ولاسيما أن المؤرخين يطلقون على تلك المدة بداية عهد التوسع والارتقاء، وإذ اتفقوا على أن السلطان عثمان يُعَد مؤسس الدولة، وأن السلطان اورخان وسع نفوذها، فإنهم لا يختلفون على أن السلطان مراد الأول قد ثبّت أركانها وجعلها مهابة الجانب، ذات سطوة وكيان سياسي متماسك، تهابها إمارات آسيا الصغرى، والمناطق البلقانية، فضلًا عن نظامها الإداري الذي اتصف بالدقة والتنظيم والذي حوّلها من قبيلة إلى إمارة ومن ثم إلى دولة استطاعت بسبب قوتها وسياستها المصحوبة بالتسامح أن تفرض سيطرتها على مناطق الأناضول وأجزاء واسعة من أوربا الشرقية والبلاد العربية فيما بعد، ودانت لها معظم شعوب تلك المناطق مدة طويلة من الزمن، ومن الجدير ذكره أنها لم تتعرض لمعتقدات وثقافات وقوميات تلك الشعوب، إذ أنهّا أعطتهم الحق في ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية، فضلًا عن أنها لم تعمل