على إلغاء هوية سكان المناطق التي أخضعتها لسيطرتها، بل كانت حريصة على أن تدفع بهم للعمل تحت مظلتها، بعد أن أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من رعاياها يشاركون في صنع سياستها، بوصفهم قوى فاعلة في الدولة، وقد برز ذلك جليًا في عهد السلطان مراد الأول.
وتُعَد مدة حكم السلطان مراد الأول واحدة من أهم الحقب الزمنية في تاريخ الدولة العثمانية، بالنظر لما حفلت به من أحداث وتطورات، ولعل في مقدمتها تبني الدولة إستراتيجية جديدة في ميدان الفتوحات الخارجية تتمثل في التوجه العثماني نحو الإمارات الأناضولية ومناطق جنوب شرق أوربا (البلقان) في آن واحد، والتي ترتب عليها حدوث تطور ملحوظ في نظمها الإدارية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، لذلك كانت تلك المدة جديرة بالوقوف عندها ودراستها في إطار البحث العلمي، ولاسيما وأن الدراسات العربية بشكل عام والدراسات العراقية بشكل خاص لم تولِ أهمية كبيرة لدراسة المراحل المتقدمة من تاريخ الدولة العثمانية، بل ركزت الدراسات على مرحلة الضعف والانحلال التي مرت بها الدولة، وأن الدراسات التي تركز على بدايات تكوين الدولة لا تزال قليلة، لذلك جاء اختيار هذا الموضوع لتقديم دراسة علمية وتاريخية وتحليلية للدولة العثمانية في تلك المدة، لما شهدتهُ من تطورات داخلية وخارجية، لكونها تشكل جانبًا مهمًا من جوانب التاريخ العثماني في المراحل المتقدمة والزاخرة بالأحداث التي تركت أثرًا واضحًا على سياستها في المراحل اللاحقة من عمرها.
تكمن أهمية دراسة عهد السلطان مراد الأول، في أنه قد وجه مصائر العثمانيين لمدة ثلاثين عامًا، قضاها في إدارة شؤون الدولة العثمانية بحكمة سياسية لا يضاهيه فيها أحد من ساسة عصره، وحتى الآن لم يتبوأ السلطان مراد الأول مكانته الحقة كونه من أبرز سلاطين آل عثمان وقادتهم العسكريين، وحين نقارن الصعوبات التي واجهها والمشكلات التي تغلب عليها بالأعمال التي أنجزها خلفاؤه من بعده، نجده نظيرًا لهم إن لم يتفوق عليهم، فالتحول الذي تم أثناء مدة حكمه يُعّد من أبرز سجلات التاريخ العام، فقد قيض لتوسعاته العسكرية أن يكون لها اثر باقٍ طيلة خمسة قرون، ولم يخمد نشاطه وحماسته للجهاد طيلة مدة حكمه، وكان النظام الذي أوجده في المناطق التي فتحها وأقام عليه حكومته يتماشى مع الظروف التي أوجدته.
والحقيقة أن الخوض في غمار هذا الموضوع ليسَ بالأمر السهل، لما يكتنفه من صعوبات، ومن أبرزها ندرة المصادر العربية التي تبحث في موضوع تلك المدة وتحديدًا عهد السلطان مراد الأول، فضلًا عن تكرار المعلومات في تلك المصادر، مما حتم على الباحث الرجوع إلى المصادر